الفصل الثاني: الوعي والإنسان الإلهي: الوعي القلبي والحكمة
الفصل الثاني: الوعي والإنسان الإلهي
الإدراك القلبي والحكمة النورانية
يتمكن الإنسان، بعد اكتساب العلم الذهني المتأثر بالجسد والنفس، من الارتقاء إلى ملكة إدراكية أسمى وأقوى، تتسم بالحكمة النورانية، وتُعرف بالإدراك القلبي أو الشهود الباطني. ومن خلال هذه الملكة، يتلقى الوحي الإلهي والمعارف الباطنية.
تُسمى هذه الدرجة من الإدراك بالحكمة لكونها غير مكتسبة، جماعية، مفاجئة، مباشرة، وثابتة لا تتزعزع. تُعالج هذه الحكمة أزمات القلب والروح، وتُمكن الإنسان من التقرب إلى الله. وهكذا، تبدأ المعارف التي تتجاوز نطاق العقل العادي، وهي موهبة إلهية خارجة عن حدود الذهن المادي.
يُطلق مصطلح “العلم”، المتعلق بالذهن المتجسد والنفس والخاضع لقوانين الاكتساب، على الإدراكات العقلية العليا والحكمة القلبية بتسامح، دون وصفها بـ”نورية”. ويقتصر نطاق هذا العلم على الإدراكات الحسية، والبراهين العقلية، وعالم القضايا المعنوية بشكل متخصص.
أما مع ظهور القلب، فيتحول الإدراك النظري إلى حكمة نورانية ثابتة، وتكتسب الإرادة العملية أساسًا متينًا ومقاومًا. فالحكمة القلبية هي وعي تام وإدراك كامل للواقع كما هو، مع تطبيقه كما ينبغي، وفق قدرات الإنسان ومتطلبات التعايش، بهدف التقرب إلى الله، أصل كل كمال ومصدر كل وجود، ولمعرفة حكمه وطاعته.
الإنسان المتجسد والإنسان القلبي
يكتسب الإنسان المتجسد وعيه من الإدراك الحسي، والذهن المفسر والمحلل، الذي يتفاعل مع الوهم والخيال في الجزئيات، والعقل المدرك للمعاني المفهومية الكلية. وينشأ هذا العلم من الإبداع الطبيعي للطباع المادية البشرية والذهن الفيزيائي.
فضلاً عن هذا الوعي المادي الذي يتم في نطاق الذهن، يمتلك الإنسان قدرة أعلى تتجلى من خلال العقل القدسي، والقلب الباطني، والإدراك الشهودي. ويتحقق الوعي، مع التخلي المتواصل عن المكتسبات والفناء في الوعي الحاضر، فتصبح النفس نقية ورقيقة، فتحوّل إلى التجرد، وتصل إلى مراتب أعمق من الوعي، أو إلى معارف جماعية ومفاجئة تُسمى الحكمة، بل إلى ما هو أعلى منها، أي المعرفة، وفي النهاية إلى التجرد الأعلى والحقيقة ذاتها.
كما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا إِلَّا جَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ».
أي لا يمضي العبد أربعين يومًا في إخلاص وصفاء إلا وتفيض ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. وتُشير هذه الرواية إلى الحكمة المفاجئة الجارية، التي تتجلى عبر بيان رصين وتعبير وافر، وتكون ظاهرة للعيان.
لا تعتمد الحكمة ومعارف العقل النوري على الحافظة أو الذهن المادي، بل هي ملكة إدراكية مستقلة. فمن يعتمد على حافظته في تعلم العلوم أو تدريسها، لم يدخل هذه المرتبة. إذ يستند هذا الشخص إلى معارف جامدة وخبرات سابقة، وليس إلى علم حي ونشط، ناهيك عن الحكمة أو المعرفة الروحية.
الإنسان الإلهي
يُعد الإنسان الإلهي، في أعلى مراتبه، إنسانًا صاحب روح يعيش في مقام التجرد الأعلى، والولاية، والمعرفة، والصدق، والتصديق، والمحبة، والوحدة، والظهور الكامل للحق. ولا يقتصر على النفس أو الذهن المحصورين في الخلق المادي، أو التجرد الضعيف المشوب بالمادة، الذي قد يتحول إلى مادة بانحدار أو يرتقي إلى تجرد بارتفاع.
يتميز الإنسان المتجسد بالاعتماد على الحافظة المادية، إذ يقتصر وعيه على الذهن. لكن في الأشخاص المحصورين في النفس المادية ذات المادة اللطيفة، قد تحدث لحظات شفافية ذهنية محدودة. وإذا كانت الحافظة ضعيفة، فقد لا يدركون كثيرًا من المعارف. وتكفي التقارير العلمية عن هؤلاء لرفع الاستبعاد عن الحكمة المفاجئة.
يمتلك الإنسان الإلهي حكمة إلهية، ومعارفه مفاجئة، يعبر عنها بسهولة وإيثار عند تبيين الحقائق. وخلافًا للمعلمين المعتمدين على الحافظة، الذين يفتقرون إلى السعة واليسر في نقل المعرفة، فإن الإنسان الإلهي يتسم بالعطاء.
تغذية القلب بالعقل النوري
يغتذي قلب الإنسان الإلهي، في بداية تكوّنه، من رؤية العقل النوري، فيصبح قلبًا حكيمًا ونورانيًا، متمتعًا بالخِرَد النوري. ورؤية العقل النوري هي إدراك المعاني بنور موهوب، وتختلف عن الرؤية الشهودية للقلب التي تصل إلى المصاديق.
يُعد الإدراك القلبي شهودًا باطنيًا دقيقًا. فالإنسان إما محصور في الجسد المادي، أي متجسد، وإما يمتلك بُعدًا باطنيًا وروحيًا ومتجردًا، يكون إدراكه حكيمًا ومستنيرًا بنور النورانية.
تكامل الذهن والقلب
يصبح الذهن المزدهر، القادر على إنتاج العلم بإبداع، إذا تطهر من الشوائب والمشاعر السلبية، وتحلى بالنقاء والمحبة، أكثر لطافة وبساطة، فيسلم نفسه إلى ملكة الإدراك القلبي المتجرد والقدسي. ويتفاعل مع الحقائق المتجردة من مقام القلب، عبر الطهارة والتخلي، ويصل إلى مقام الروح والمعرفة.
يعزز الذهن المرتبط بالقلب الذكاء العاطفي والجماعي والتعاطف. وفي سيره التكاملي، يتخلص من المعلومات والذكريات عبر التخلي المتواصل، حتى يصل إلى الصمت والتسليم لمقام القلب والنورانية.
يُحقق الصمت والتسليم، وربط الفكر الذهني بالحكمة القلبية، عبر الصدق والتخلي عن الطمع والهوى.
النظام الإلهي والظهور
يتحقق في النظام المفعم بالمحبة علاقة الظاهر بالمظهر. فالكائن وأفعاله ليس إلا ظهورًا لله تعالى وعلمه، دون ثنائية أو جبر. وما يظهر في العالم الخارجي هو تحت حياة وعلم وقوة مُنحت من الله في النظام الناسوتي الاقتضائي، الذي يستلزم التكليف والعدالة الجماعية ونظام الجزاء.
يدرك العقل النوري هذه الحقيقة، التي تُستنبط منها القضايا النورية، كما في الآية: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57].
يرى العقل المفهومي المقيد هذا النمط من الصدق والفناء غير قابل للتعريف، لأنه يتعلق بالعقل القدسي النوري، الذي يفوق العقل العادي. ولا يُدرك إلا بسلوك طريق العقل النوري، في مرتبة صعبة من الصفاء والوحدة في الناسوت.
النفس المطمئنة والحكمة القلبية
تصبح النفس، بعد مراتب الأمارة واللوامة والملهمة، نفسًا مطمئنة، لا تنتج الخداع، وتحوّل إلى القلب. والعقل النوري والحكمة تملك سلطة الحكم على الإدراكات الشهودية والمعطيات الشرعية.
تُحقق المواظبة على الحلال واجتناب الحرام، وتزكية القلب بالعبادة والمحبة، تسليم الذهن والنفس إلى مقام القلب، فيتحول الإنسان إلى قلبي باطني، أو يسلم نفسه إلى إنسان إلهي صاحب حكمة موهوبة.
العقل القدسي والكشف الروحي
تفوق رؤية العقل النوري والحكمة القدسية حدس العباقرة. والكشف الروحي للسر والخفاء هو مراتب لاحقة، حيث يتحرر الوعي من الحواس الجسدية، فيصبح من الممكن الحياة والإدراك دون جسد.
يمنح العقل القدسي، بوصفه ظهورًا أعلى من الطبع والنفس، حكمة صادقة تتطابق مع الحقيقة. وفي التشريع، إذا استند إلى اجتهاد علمي يعتمد النصوص والأدلة الشرعية، فإنه شرعي وديني، يُحيي النص الشرعي الصامت بقوة القلب.
مراتب الوعي الباطني
يتمكن الإنسان من الارتقاء إلى مراتب أعلى بعد تجاوز الوعي المادي المرتبط بالإدراك الحسي، والتجربة، والاستنتاج العقلي الحسابي، والذهن المفهومي. فيتطهر الذهن من الأمر بالسوء، والهياج، وشوائب الظلم، والكذب، والنفاق، والحرام، والمعصية؛ فينفر منها، ويتجنب الغرور، والتكبر، والتعالي، والمشاعر السلبية. كما يتحلى بالخشوع، والتواضع، والمواظبة النسبية على الصلاة، والافتقار إلى الله، والزهد عن الطمع. فيصل إلى النفس المطمئنة، والسكينة، والرضا، والصدق، والبراءة من الأذى؛ ويتجه إلى حقيقة الوجود الواحد. وبذلك، يصبح مؤهلاً – تحت رعاية الله وتوجيهه – لامتلاك ثلاث مراتب تجردية عليا.
تتمثل مراتب الوعي الباطني المتجاوز للذهن في: أولاً، مرتبة التجرد العقلي النوري والحكمة؛ وثانيًا، مرتبة التجرد القلبي الشهودي والاتصال بالواقع؛ وثالثًا، مرتبة التجرد الروحي المعرفي. أما المرتبة الرابعة، فهي التجرد الأعلى، أي الوحدة مع حقيقة الوجود، وهي مرتبة بسيطة تتسم بانبساط وجودي مطلق.
طبيعة المراتب التجردية
تتجاوز هذه المراتب عالم الحواس والتجربة المادية، وإن كانت تُدرك داخل النفس البشرية بمعيار الأنس، والمحبة، والقدرة على الارتباط بالظواهر. فالسر الباطني، والخفاء، والإخفاء، والحقيقة، والوحدة مع الوجود غير المتعين، هي جوهر النفس البشرية. وكلما تحررت النفس من الأنانية، والتكبر، والتعالي، والعزلة الناتجة عن النفسانيات، واكتسبت جوهر الارتباط، والأنس، والتعايش مع الجميع، ازدادت قدرتها على العروج والوصول إلى مراتب أعلى. فتتصل بالظواهر ذات الجودة والجمال الأرفع، أو – بأيسر السبل – بالله تعالى مباشرة، فتنال الأنس، والقرب، واللذة، والنشاط الروحي الغامر.
تُبرز هذه المراتب أهمية جوهر الارتباط؛ إذ إن جميع الظواهر المادية، والمثالية، والعقلية، تستمد وجودها وظهورها من الله تعالى، وهي عين ارتباطها به. وهذا الارتباط يمنحها إدراكًا فطريًا لله، وميلًا إليه، وأنسًا به.
أدوات الوصول إلى المراتب العليا
تتجاوز هذه المراتب قدرات العقل الحسابي المفهومي، ولا يمكن إدراك كل مرتبة إلا بأدواتها المناسبة. فأدوات الحكمة النورية هي القلب الباطني، والروح، والمحبة النقية. والعقل القدسي، الخالي من شوائب النفسانيات، نقي وصافٍ. وأفضل سبيل للوصول إلى هذه المراتب هو امتلاك قلب مفعم بالمحبة الخالصة، والتخلي عن الأنا، بل فناء الذات ومعارفها، وضبط الانفعالات، والأفكار، والخواطر، حتى يصل الإنسان إلى حالة التعلق الحر والصمت الذهني والقلبي.
لا يُسلك هذا الطريق بعبادات الظاهر ومعاملات الزاهدين، التي تقتصر على إصلاح السلوك الخارجي، ولا برياضات المرتاضين الطويلة، التي قد تؤدي إلى تزكية النفس واكتساب الأخلاق الفاضلة. بل يُسلك بطريق الصلاة، والافتقار، والمحبة الصافية، مع الفناء الكامل، والتخلي عن الحجب الظلمانية والنورانية، وكسر التعينات، وترك الطمع في الذات، والخلق، والله تعالى. فهذا الطريق يحقق التخلي عن الذات والوصول إلى الله، بشعار: “لا حياة إلا لله، ولا عشق إلا له، وكل شيء له ومنه وإليه”.
في حالة فناء الالتفات، لا وجود للأنا أو الوعي الذهني، وهي تختلف عن مجرد نفي الالتفات، الذي يحمل بقايا الوعي والذهن. وقد أُشير في مقدمة هذا الكتاب إلى قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]. أي إن الحكم لله وحده، يبين الحق، وهو خير الفاصلين.
الحكمة وإنتاج الوعي
يُنتج الحكم، بوصفه إدراك الحق عبر معرفة هوية الأشياء وباطنها وحقيقتها، قضايا علمية شخصية، وتصديقًا، ودوريًا، واستنادًا، وبرهانًا ذاتيًا يحمل الصدق، والحقانية، والشفافية، واليقين، والأنس، والقرب إلى الله، ونورانية القلب. وفي كل علم، يُستحصل الوعي بناءً على أحكامه. وقد أكد القرآن الكريم أن الحكم معيار إنتاج العلم والوعي، وهو مختص بالله، وقد تجلى في القرآن. ولا يُدرك هذا الحكم إلا بالعقل النوري، والحكمة، والقرب، أي الوصول إلى مرتبة الظهور المحض، عبر التخلي عن الطمع في الخلق، والذات، والله، وفناء الالتفات، فيتحقق الإدراك اليقيني.
يقول الله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269]. أي يمنح الله الحكمة لمن يشاء، ومن يُمنح الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا، ولا يتذكر إلا أولو الألباب.
تُعد الحكمة قابلة للنقل، وتتميز بمنهجية الإيتاء، التي تُنتج المعرفة، وتُوسع الفهم، وتُحفز الإبداع، وتُنتج العلماء، على عكس التعليم التقليدي الذي يقتصر على نقل المعلومات. وأولو الألباب هم أصحاب الباطن المنتج، الذين يمتلكون رؤية عقلية نورية، وإرادة قوية، وقدرة على ابتكار المعرفة.
لا يعتمد القلب في معارفه المفاجئة على العقل الفعال المشائي أو الصدرائي، ولا على أفكار أفلاطونية خالية من البرهان، بل هو مستقل في إنتاج الوعي الحكيم.
دور القلب في الوعي
يجد القلب كل الانفتاحات، والتعينات، والمعارف، والتخليات، والتجليات في ذاته ومن ذاته وإلى ذاته، دون الحاجة إلى مصدر خارجي. فاكتشاف القلب هو مفتاح كل معرفة، والوعي المفاجئ.
تتحقق الحكمة وقوة الأحكام الصحيحة بأصل ربوبي، يتيح التدخل الجيني والتربية. فمن خلال الصلاة، والافتقار، والمحبة لله والخلق، واحترام الناس، واعتبار الذات والظواهر مظاهر لله، يتجلى الوعي. ويتعلم أولو الألباب من هذا النظام التعليمي.
في الحكمة، تتلاشى التوقعات والأهداف، ويصبح الحكيم تجسيدًا للوجود ذاته. ويتشرب عقله النوري وقلبُه هذه الحقيقة، فينال الذوق والنشوة الروحية.
الحكمة في السير الروحي
تُعد الحكمة من منازل السير الروحي الصاعد، ونتيجة الابتلاءات والتغلب على النفسانيات. ففي هذه المنازل، يكتسب الفرد قدرة على الاستماع، والتفكير الجماعي، وإنتاج المعرفة، والابتكار العلمي، دون توقف أو تقيد.
يُمثل حكم كل ظاهرة مسارها الطبيعي، الذي لا ينحرف في العوالم الأخرى. لكن في الناسوت، يمكن تغيير المسارات عبر التدخل الجيني، لتهيئة الإنسان للحكمة النورية والمراتب الروحية، أو لأغراض مادية أو حتى خبيثة. وسيُبحث هذا الموضوع لاحقًا في سياق الخلق النوري.
إذا تم تهيئة طفل جينيًا للحكمة، وتُربي على الصلاة، والافتقار، والمحبة، فإنه بحلول سن الثلاثين، سيصل إلى الباطن، خاصة إذا تخلى عن الطمع، واعتبر نفسه مظهرًا لله، وتخلص من الالتفات.
الخِرَد النوري والشهود القلبي
ينظر الخِرَد النوري إلى المجردات القدسية، ويتلقى القلب، عبر الشهود الباطني، إشارات معنوية مفاجئة وغزيرة، يراها حضوريًا دون وسائط. وتحمل هذه الإشارات معلومات حية ومستغرقة في الوعي. فيتسع وعي الإنسان عبر ارتباطه بالعقل القدسي، ويكتسب، بنقائه، قدرة على الإلهام والوحي، وينال الحيرة، والهيمان، والعشق الباطني.
فناء القلب والمعرفة الروحية
يتميز القلب بطبيعته المتفاوتة ومراتبه المتعددة. ومع التخلي المستمر عن القلوب السابقة وفنائها، يتكون أداة معرفية أقوى تُسمى فناء القلب، أو البياض، أو العشق، أو الهيمان، أو الروح، أو المعرفة. وهذه المرتبة تتجاوز الحكمة القلبية بقوة وشفافية عظيمتين.
يُعد الهيمان حضور الحقيقة الخالصة بكل عشق، حيث يتجلى الوجود حضوريًا، ويصبح الشاهد والمشهود والشهود واحدًا. وهذه هي مرتبة الروح الحقة والإنسان الإلهي. فمن يتخلى عن ذاته من أجل الله يصبح مظهرًا ناسوتيًا مهيمنًا. ومن بين الأنبياء، لم يصل إلى هذه المرتبة سوى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بوصفه حبيب الله بلا حجب، والنبي إبراهيم (عليه السلام) بوصفه خليل الله في سن متقدمة. أما الأشخاص غير المعصومين الذين يصلون إلى هذه المرتبة، فيُسمون أولياء كاملين، يمتلكون وعي الولاية الكلية والمعرفة الروحية.
القلب النوري والوعي المجرد
يُعد القلب النوري مجردًا، ومركز ثقل الباطن، ومبدأ الكمالات الباطنية، التي من أعلاها معرفة الله سبحانه. والتجرد يعني الخلو من عوارض المادة، كالثقل، والبعد، والتدرج. فيتمكن القلب في هذه المرتبة، بعيدًا عن الحسابات الذهنية الماكرة، ومبرأً من مكر العقل الاكتسابي ونزعات النفس المؤدية إلى الظلم والكذب، من تحقيق فناء الذات والوصول إلى الله. وفي مستوى العقل العالي المجرد، كلما تحرر القلب من الحبس في التعينات، ازداد نفوذه إلى باطن الواقعيات التي يريدها. فيدكرها ويلمسها بإشراف باطني، أو يحقق رؤية عقلية، أو وصولاً مباشرًا إليها.
تتحول الذرات أو الموجات المادية، عند وصولها إلى ساحت المعنى، إلى حالة من اللطافة والرقة، فتكتسب التجرد. وتتغلب خصائص المعنى تدريجيًا على المادة. فكل ذرة أو موجة حية واعية، تمتلك القدرة على الجذب والإثمار والتعايش، بناءً على التناسب والمحبة. كما تتحرك بحركة موزونة ضمن مدار محدد، وتكون ظاهرة مستجيبة. فإذا كانت نقطة انطلاق تعليم الإنسان هي العلوم الطبيعية والحضور الاستقرائي في العالم المادي بالتجارب، فإن معرفة العوالم الأخرى، والمجردات، والظواهر المعنوية، التي لا تتعلق بالمادة، تتحقق بأدوات باطنية، هي القلب، والعقل القدسي، والحكمة. ومن لا يمتلك هذه الأدوات، لا يستطيع اكتساب معرفة أو تجربة منها.
الوعي المتوفر للقلب وطريق الأنس
تغلب على القلب المجرد المحبة، والوحدة، والاقتدار، والوعي، والإيثار. فيتمكن القلب، من خلال مجاورته الشهودية للعوالم والواقعيات، وتآلفه مع الله – مصدر كل كمال ووعي – عبر فناء المحبة، والتخلص من أذى الظواهر وبلائها، والإيثار، من اكتساب وعي مفاجئ وفيّاض. يُسمى هذا الوعي في مقام الرؤية العقلية للقلب “الحكمة”، بدلاً من الوعي التدريجي للذهن.
يرتبط الوعي المفاجئ بنقاء القلب، ويتحقق النقاء برفع الزيف والحجب والتخلص من انغلاق القلب. فينال القلب، بالمحبة والفناء والتخلي عن الالتفات إلى الذات، التحرر من الزيف والحجب، فيصبح غير محدود، ومتحطمًا للتعينات.
تكمن حقيقة الحكمة في ظهور الواقع وتجليه حضوريًا. ففي اللحظة الراهنة، يختبر القلب واقعيات وفيرة داخل ذاته، ويدركها. ولا تأتي هذه المعطيات من الخارج، بل يتمكن القلب، بانفتاحه، من إدراك واقع كل شيء مباشرة، وبطريقة إرادية ومباشرة دون وسائط. فيحقق إشرافًا علميًا ومعرفيًا، ويحولها إلى تجربة باطنية.
يكتسب الإنسان القلبي أعمق الوعي والحكمة النورانية الكاملة تجاه كل شيء ومعارفه، من قلبه، وعبر الأنس مع الظواهر، والتآلف معها، والتعاطف الباطني، بطريقة مفاجئة ومكثفة، بانفجار الشفافية الباطنية. ولا يعتمد على التفكير التحليلي، أو اللغة المنطوقة، أو التحليل الذهني، أو المفاهيم والقضايا العقلية، التي تظل موجزة، مبهمة، وضعيفة. فالإدراك القلبي هو إدراك رؤيوي، وصولي، وتحققي، يُدرك بأداة القلب. لذا، فإن البحث العلمي والتحليل النظري لهذه الموضوعات، وتفسير تعقيداتها بالكتابة، ليس إلا وسيلة للدلالة على الطريق.
الشهود القلبي وانتقال الحكمة
يتصل الإدراك الشهودي وإشارات القلب الباطني، وإن كانت غير مادية ومتحققة في فضاء التجرد، بالقلب الكالبدي والدماغ. فالحكمة، بوصفها ذات واقعية خارجية، تكتسب لغة مكثفة عبر معالجة الدماغ، فتصبح حزمة وعي وعلم من نوع المعقول والمفهوم، قادرة على الانتقال بين العقول. تتجاوز هذه الحزمة انتقالها الذهني، فتحمل نفحة أو إشارات وعي فورية. فتتمكن، بمحبة وإرادة قلبية، من اختراق قلب المتلقي (المريد)، فتوصله إلى إدراك الحقائق بطريقة بين-قلبية آنية. بينما المعارف الدماغية، التي لا تتجاوز العلم الذهني وتفتقر إلى دعم الحكمة القلبية النقية، لا تمتلك قدرة الحكمة على الاختراق المكثف، فتتطلب تعلمًا تدريجيًا في نظام تعليمي تقليدي.
لا يُستبعد انتقال الحكمة القلبية المفاجئ. فقد أظهرت الدراسات التجريبية أن مجال طاقة القلب الكالبدي، مثل الدماغ، يرتبط بمجال من المعلومات غير محصور بالزمان والمكان. فالقلب الكالبدي، على سبيل المثال، يتلقى ويعالج معلومات عن حدث ما قبل وقوعه، فيظهر ردود فعل عاطفية كالقلق أو الاضطراب.
يتفاعل القلب الكالبدي، قبل الدماغ، مع دورات ومجالات طاقة متعددة، ويتلقى معلومات شهودية مباشرة منها. فتعود المعلومات عن الأحداث الباطنية والغيبية عبر الشهود إلى الجسم وتُعالج. وبالتالي، يلعب القلب الكالبدي دورًا حيويًا في نظام مجال الطاقة والإدراك الباطني.
تأثير نقاء القلب: أدلة من الروايات
تُظهر رواية سلام بن المستنير تأثير نقاء قلب صاحب الحكمة على الآخرين. ورد عن سلام بن المستنير قال: “كنت عند أبي جعفر عليه السلام، فدخل عليه حُمران بن أعين وسأله عن أشياء. فلما همَّ حُمران بالقيام، قال لأبي جعفر عليه السلام: أخبرك أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك، إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترقَّ قلوبنا، وتسلو أنفسنا عن الدنيا، ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال. ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا. فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما هي القلوب، مرة تصعب ومرة تَسهل”. ثم قال: “أما إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله قالوا: يا رسول الله، نخاف علينا النفاق؟ فقال: ولِمَ تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكَّرتنا ورغَّبتنا وجِلنا ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك. فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل، يكاد أن نُحوَّل عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء. أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقًا؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: كلا، إن هذه خطوات الشيطان فيرغّبكم في الدنيا. والله، لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء. ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله، لخلق الله خلقًا حتى يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر الله لهم. إن المؤمن مفتَّن توَّاب. أما سمعت قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، وقال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 11]؟” (الكافي، ج2، ص54).
تؤكد الآية الكريمة تأثير نقاء باطن النبي صلى الله عليه وآله على من ظلموا أنفسهم: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]. فإذا جاءوا إليه واستغفروا، واستغفر لهم الرسول، وجدوا الله توابًا رحيمًا.
الحكمة المفاجئة ونقل العلم
يُبين أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد الحكمة المفاجئة، مستخدمًا مفاهيم العلم، ونور الحقيقة، والمعرفة الوفيرة، والأنس، ونقل العلم بناءً على التناسب والتآلف. فالعلم المفاجئ والوفير يُكتسب بالأنس، والجذب، والتآلف المناسب، ويُنقل بناءً على التشابه. ويفرّق الإمام بين نوعين من العلم: علم مفهومي يخدم الدنيا والشهوات، ويُستخدم للسيطرة والتفوق، وعلم نوري مفاجئ، يحمل الحقيقة، ويسعى لسعادة الآخرة، ونشر الفضيلة والالتزام الديني.
ورد عن كميل بن زياد قال: “أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فأخرجني إلى الجبان. فلما أصحر، تنفس الصعداء، ثم قال: يا كميل بن زياد، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها. فاحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق… ها إن هاهنا لعلمًا جمًّا – وأشار بيده إلى صدره – لو أصبت له حملة. بلى، أصبت لقنًا غير مأمون عليه، مستعملًا آلة الدين للدنيا، ومستظهرًا بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه. أو منقادًا لحملة الحق، لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة. ألا لا ذا ولا ذاك. أو منهومًا باللذة، سلِس القياد للشهوة، أو مغرمًا بالجمع والادخار، ليسا من رعاة الدين في شيء. أقرب شيء شبهًا بهما الأنعام السائمة. كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا، وإما خائفًا مغمورًا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته. وكم ذا وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا. يحفظ الله بهم حججه وبيناته، حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم. هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحهم معلقة بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه. آه آه شوقًا إلى رؤيتهم! انصرف يا كميل إذا شئت” (نهج البلاغة، الحكمة 147).
موقع القلب في السير الروحي
يأتي القلب، كما أُشير سابقًا، بعد الطبع، والنفس، والعقل. وفي تقسيم دقيق للسير الروحي إلى مئة منزلة، يتطلب الوصول إلى القلب اجتياز ستين منزلة على الأقل، ليُشكل القلب نقطة انطلاق للمعارف العالية، وأساسًا للوعي المفاجئ.
لا يظهر العقل والقلب في أكثر البشر. أما الجن، فتتمثل قوتهم في حواسهم اللطيفة، التي تمنحهم قدرة على جمع المعلومات واكتشاف المغيبات الجزئية. لكن درايتهم العقلية محدودة، وقلما يصل بعضهم إلى القلب. بينما يمتلك الإنسان قدرة المعرفة، فيتفوق الإنسان المقرب، صاحب مقام الجمع الجامع، على الجن، ويصبح محبوبًا لهم وللظواهر الروحية الثابتة.
يفوق الإنسان الجن والملائكة في إظهار القدرة العقلية والقلبية. ويُعد أصحاب القلوب من المؤمنين المتميزين والأولياء الإلهيين. أما العباقرة ذوو القدرات العقلية العالية، المقربون من القلب، فإنهم، دون مرشد متمكن في المعارف الباطنية، نادرًا ما يصلون إلى القلب، ويظلون محصورين في قدراتهم العقلية. فيمتلك صاحب القلب، من خلال الواردات والمعارف المفاجئة، علومًا إرادية ذات اعتبار قدسي، يستند فيها إلى الله سبحانه. فصاحب القلب، في هذه المرتبة، يدرك الحقائق بإلهام إلهي مباشر، ويتلقى المعارف من منبع النور الرباني، دون حاجة إلى وسائط مادية أو تحليلات عقلية محدودة. وتتجلى هذه العلوم في نفسه بصفاء باطني، فتصبح مرآة تعكس الحقيقة الإلهية، ومنارة تهدي إلى سبيل الرشاد.
خصائص العلوم القلبية
تتميز هذه العلوم بكونها مفاجئة، غير متدرجة، فتأتي كالوميض الذي ينير القلب فجأة، فيُدرك به الإنسان ما كان محجوبًا عنه. وهي ذات طابع قدسي، إذ ترتبط بمصدرها الإلهي، فتحمل اليقين، والصدق، والشفافية. كما أنها إرادية، إذ لا تُفرض على القلب، بل تُستجلب بالتخلي عن الحجب النفسانية، والتوجه الصادق إلى الله، والتعلق به. فينفتح القلب على عوالم المعنى، ويصبح وعاءً للوحي الباطني، ومستودعًا للمعرفة الحقة.
لا تقتصر هذه العلوم على الإدراك الفردي، بل تمتلك القدرة على التأثير في الآخرين. فالقلب النوري، حين يصل إلى هذه المرتبة، يشع بنور المعرفة، فيؤثر في القلوب المحيطة به، ويزرع فيها بذور الحكمة. وهذا التأثير يتحقق عبر الأنس والمحبة، كما أشار أمير المؤمنين عليه السلام في حديثه لكميل، حين ربط نقل العلم بالتآلف والتشابه بين القلوب.
دور القلب في التكامل الروحي
يُشكل القلب محور التكامل الروحي، إذ يتجاوز حدود العقل المحدود، ويتصل بالحقيقة الإلهية مباشرة. ففي سياق السير الروحي، يُعد الوصول إلى القلب إنجازًا عظيمًا، يتطلب التغلب على النفس الأمارة، والتحرر من أغلال الدنيا، واكتساب الفضائل الأخلاقية. ولا يكتمل هذا الوصول إلا بالصلاة، والافتقار إلى الله، والمحبة الصافية، كما أُشير في النصوص السابقة.
يتفوق صاحب القلب على العباقرة ذوي القدرات العقلية، لأنه يمتلك أداة معرفية متميزة، تتجاوز التحليلات المنطقية إلى الشهود الباطني. فالقلب، في هذه المرتبة، يصبح كالمرآة الصافية التي تعكس نور الحق، وكالمصباح الذي يضيء درب السائرين. ومن هنا، يُعد الإنسان القلبي رمزًا للإنسان الإلهي، الذي يجمع بين الناسوت واللاهوت، ويحقق الوحدة مع الوجود الأعلى.
القلب والعلاقة بالخلق
لا يقتصر دور القلب على الاتصال بالله، بل يمتد إلى الارتباط بالخلق. فالإنسان القلبي، بما يمتلكه من محبة وإيثار، يصبح جسراً يربط بين الخالق والمخلوقات. فهو يرى في كل ظاهرة تجليًا إلهيًا، ويتعامل معها باحترام وتعاطف. وهذا الأنس مع الخلق يعزز من قدرته على إدراك الحقائق، إذ يرى الوجود بعين القلب، لا بعين الذهن المحدود.
تتجلى هذه العلاقة في قدرة القلب على التأثير في الآخرين، كما في رواية سلام بن المستنير، حيث أثر نقاء قلب الإمام في رقة قلوب أصحابه وزهدهم في الدنيا. وهكذا، يصبح القلب النوري مصدر إلهام، ينشر الخير والمعرفة، ويوقظ القلوب النائمة.
خاتمة: القلب كمفتاح الوجود
في الختام، يُعد القلب مفتاح الوجود الإنساني، ومحور الارتقاء الروحي. فهو الأداة التي تتيح للإنسان تجاوز حدود المادة، والوصول إلى عوالم المعنى. ومن خلال التزكية، والتخلي، والتحلي بالفضائل، يصبح القلب وعاءً للمعرفة الإلهية، ومنبعًا للحكمة النورانية. فالإنسان القلبي هو الإنسان الإلهي، الذي يحقق غاية الخلق بالتعلق بالله، والأنس بالخلق، والسير على طريق الحقيقة.
يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]. فمن جاهد في سبيل الله، هداه الله إلى طريق القلب، حيث الحكمة، واليقين، والقرب الإلهي.
الحكمة الوجودية والرؤية العقلية الأولى
لا تُفضي المعرفة المفهومية والذهنية، وإن اعتبرت مفهوم الوجود بديهيًا، إلى حقيقة الوجود. بل تسمو الحكمة الوجودية المجردة، المستمدة في تجليها وحضورها من عين الوجود، وتتسامى لتغدو متعالية. فتصير معرفة، بل حقيقة، وتتحقق الوحدة مع الوجود. وتظهر الحكمة، شأنها شأن أي انبثاق، بوضوح وشفافية، لتسمو في تجرّدها. وبإفناء تعيناتها وذوبانها، تمهد السبيل لظهور الوجود.
لما كانت الحكمة تنبثق من الوجود، فهي في حال انفجار وانبساط دائم، تتسع وتتعاظم لحظة بعد لحظة. ويُدرَك هذا التعاظم بتلاشي المكتسبات وفناء الحكيم النوراني الإلهي. فلا يتأتى إدراك الوجود، وذاته سبحانه، وتجلياته الظاهرة، إلا بالتحرر المطلق من الذات والنفس، بل وحتى من قيد الحكمة ذاتها. عندئذ، يستغرق الإنسان في لجج العشق، ويبلغ ذروة الوحدة، ليدرك المعنى الوجودي الحق للظواهر المتدفقة، السائلة، والمتحركة، ويصل إلى كنه حقيقتها.
لا يؤول هذا الإفناء إلى الفقدان، أو التنازل، أو التجافي، بل تكتشف الحكمة في كل ذوبان ذاتها أعظم مما كانت عليه من قبل. لتختبر استنباطًا أمضى، وحكمة نورانية أشد سطوعًا ونفوذًا، تتجسد في حقائق شخصية متدفقة بلا حدود، ذات نفاذية وحيوية متجددة. وفي النهاية، لا يجد الحكيم إلا اللانهائية، والحيرة، والتيه العاشق، والعشق الخالص. وهذا هو أساس منهج الحكمة الواردة الفجائية والمعارف الباطنية التي يختص بها الإنسان الإلهي.
فإن لم تَعُق الشوائب، والأدران، والانفعالات السلبية دون وصول القلب إلى مرتبته اللائقة، وانشرح الصدر وانفتح القلب، غدا يستوعب كل شيء في كنفه، دون تفريق أو تمييز بين صغير وجليل.
المعرفة الباطنية والكشف الداخلي
بمقدور الإنسان، بما حباه الله من حكمة إلهية وباطنية، أن يكتشف في أعماق ذاته ليس فقط الكون المادي، بل وعوالم أخرى شتى. وكما أن الوعي بالذات أمر كامن في دواخلها لا يُختبر خارجها، كذلك يُدرك العلم والحكمة والمعرفة بالقلب الداخلي المنشرح. يتأتى الوصول إلى هذا البحر الداخلي بتطهير الباطن من الرواسب والشوائب والسموم الانفعالية السلبية، وبالتخفف من ثقل البدن الجسماني. ويُمكن تحقيق ذلك من خلال مزاولة التمارين الرياضية اللينة والشاملة، التي تعمل بمثابة ترياق يدفع خطر ضعف العقل والذاكرة. فهي تُسهم في تنقية الجسد، وإضفاء المرونة والصحة عليه، وتقوية الذهن. ويتكامل ذلك مع صفاء النفس، والمحبة الباطنية، والتجاذب الروحي، والأنس، والملاءمة الوجدانية.
فالمعارف الحقّة تستقر في عمق قلب الإنسان، ولا تُدرك إلا بالصفاء، والأنس الروحي، والانفتاح الباطني، من خلال التجرد عن المراتب الدنيوية والتعينات الظاهرية والأنانية، والدخول إلى طور وجودي أسمى.
الإدراك الشهودي
يُعتبر الشهود ركنًا جوهريًا، إذ يفضي إلى إدراك الأفعال الإلهية، والأسماء والصفات الربانية، ورؤية كمال جمال الله سبحانه، وتعيناته المتجلية في صور لا تُحصى ولا تتناهى. فهي تجلٍ لفلسفة القلب والوعي المتسامي فوق حدود المادة، لا تندرج تحت مقولات فلسفة الذهن أو المذهب المادي العقلي.
يحقق الشهود، إذا ما اكتمل واتصف بالجامعية، إدراكًا كليًا لا يُغادر أي فعل في أي من العوالم الخلقية، ولا يُغفل أي اسم أو صفة في العوالم الربوبية. فيتحدد إدراك كنه كل شيء وفقًا للسياق الذي يتجلى فيه، ويُمنح من الأهمية ما يتناسب مع مقامه الوجودي. ولن يرقى الإنسان السوي إلى مرتبة الحقيقة دون أن يتجلى له إدراك حضوري جامع، يجمع بين آفاق القلب والروح وعوالم الأمر الإلهي.
يمتلك الشهود مراتب حسية، معنوية، وإلهية. فيدرك الإنسان الإلهي العوالم المعنوية، والعالم ما قبل الناسوت، وعالم الأسماء والصفات الذاتية، حسب تجليه. فينطلق في عالم الأسماء الفعلية، وفي حضرة الناسوت، بالقالب البشري، ثم يتحول قالبه بسرعة إلى ما هو فوق الحس، ويتجرّد، بل يصل إلى مرتبة متعالية، فتصير روحه وولايته متجلية. يفتخر الله سبحانه بخلق هذه الروح الإلهية المجردة، القادرة على الحضور في كل ساحة وحضرة، بل وجعل أرواح الجبروت عاشقة لها، كأجمل وألطف تجلي أحدي إلهي. لذا يقول تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} {المؤمنون: 14}. ليس هذا الفخر لخلق الإنسان الجسماني الطبيعي، المخلوق بيد الطبيعة، على أرض الحياة، والذي هو في جهد وخسران. فالإنسان الجسماني، الفاقد للارتباط بربه سبحانه، المعتقد باستقلاله، المنغمس في ثقل المادة، والغفلة، وحجب الناسوت الكثيفة، هو في خسران بسبب هذا الانقطاع والأنانية. كما قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} {العصر: 2}.
العوامل المؤثرة في الشهود
يحوز الإنسان على لطائف متعددة، ومراكز قوى فريدة، ذات اهتزازات خاصة، ترفد طاقة الحياة والإبداع، بتدفق مستمر من داخل البدن وخارجه عبر الهالة النورانية المحيطة به. وتُعد هذه اللطائف الرئيسية، التي يرتبط تفعيلها بالتنفس، ذات فعالية كبرى في جودة الشهود، خصوصًا لدى أصحاب القلوب المستعدة والمتلقية. يرتبط الشهود الناسوتي بحالة البدن المادي، من حيث ضعفه أو تلوثه، أو قوته وصفائه. كما يتأثر بالقدرة على ضبط عملية التنفس، شهيقًا وزفيرًا، وبحالة المعدة من حيث خفتها أو ثقلها، وبمعدل النوم، وبقوة النفس أو ضعفها.
يُعتبر الشهود الصافي والنقي ذلك الذي يتجلى عفوًا وتلقائيًا، دون ترقب أو توقع. لكن يمكن توجيه مسار الشهود وتشكيله من خلال الممارسات المستمرة، الواعية، والإرادية، ليطالع المرء ما يشاء أن يشهد. ويتطلب الشهود الشفاف والعميق الارتقاء بالتنفس والنوم، وهما في الأصل من الأفعال اللاإرادية، إلى مستوى الفعل الواعي الإرادي. ويقترن ذلك بالزهد في التكثر، والتنزه عن كثرة الظهور، والرضا بالعفة والكفاف، والتحرر من ذل الفقر والمسألة، واجتناب الحرام وأكل السحت. وبذلك يكتسب الشهود قدرة على التحمل، فلا يواجه، حال الارتقاء فيه ومضيّ سيره، طاقاتٍ معارضةً أو عوائق تحول دونه.
إن حالة اللطائف الباطنية، من حيث انفتاحها أو انسدادها، وصفائها أو تلوثها، وتوازنها أو اختلالها، تلعب دورًا مؤثرًا في جودة الشهود وعمقه وسعته. ويتعزز ذلك عبر تقنيات التنفس المتقن، وتقليل ساعات النوم، وتخفيف وجبة الطعام، ولزوم الصمت والكتمان، وحفظ البصر. كما يتأثر الشهود بعدم البوح به لمن لا يستأهله، وعدم حجبه عم το المستحقين ابتغاء الهداية. وتسهم عوامل أخرى، كمدى الانسجام والتجاذب الروحي، وقوة النفوذ الباطني، وقابلية التأثر بالمؤثرات العليا، كاستلهام القوى من روح القدس، في تعميق الشهود. وذلك رهين بمعايير التفوق في العلم، والنبوغ، والجمال، والأنس، والجاذبية المعنوية، بعيدًا عن مطامع الدنيا ونزعات الأنانية والهوى. وتؤثر حالة الباطن، التي تصل عبر القلب إلى السر، والخفاء، والإخفاء، في عمق الشهود ومداه. أما من بلغ أوج الكمال، فلا يترقب الشهود، ولا يسعى لاستجلابه، ولا يحول دونه، بل يتلقاه بصفاء عبر آفاق الأنس، ولجج العشق، وقوة الجذب الروحي، تبعًا لما يقتضيه المقام. أما الضعيف في باطنه، أو المدنس بآفات الحرام والظلم والكذب، فإن سعى وراء الشهود دون هادٍ خبير وتزكية نفسية، فقد يعتريه اضطراب في المشاعر أو خلل في الشخصية.
على الرغم من أن الشهود حضور مباشر للواقع، حيث يتحد الفاعل العارف بالمعلوم، إلا أن الوحدة والصفاء الباطني والجذب تبقى أمورًا نسبية متفاوتة في مشهد الحضور. وقد يؤدي ذلك إلى تشويش خيالات الشهود وتعارضها مع ساحة المثال المنفصل. وفي حق المبتدئين، قد يُقيد الشهود المثالي النفساني، المرتبط بالذهن، في سجل الذاكرة. وحيث إن الذاكرة قد تتسم بالكذب بسبب تدخل عوامل دماغية، فمن المحتمل أن يغدو الشهود زائفًا بانقطاع وهج الحضور. وعليه، فإن صدق الشهود، شأنه شأن العلم، أمر نسبي يتفاوت بين من يحظون به تبعًا لدرجة توفيقهم وعمق إدراكهم. كما أن للإنسان أن يكتسي تعينات لا حصر لها، فيكون له في كل مظهر من تلك المظاهر شهود وإدراك يختلف عن سابقه. فالإنسان الكامل المتوازن، الذي جمع بين الظاهر والباطن، هو من يحظى بأصدق مراتب الشهود وأنقى أنواع الوعي.
الأنوار المعرفيّة الحقّة والتحويليّة
الإنسانُ الإلهيّ ومعارجُ الشهودِ
يسمو الإنسانُ الإلهيّ في سيرهِ الصّعوديّ، فإذا ما نالَ بعدَ الوصولِ إلى مرتبةِ القلبِ مقامَ الرّوحِ والولايةِ الموهوبةِ، حظيَ في عالمِ النّاسوتِ – وهو عالمُ التّغيّرِ – بإدراكِ العوالمِ ما بعدَ النّاسوتِ والتّثبيتِ. فيشهدُ عوالمَ السّيرِ النّفسيّ والمثاليّ، وعوالمَ السّيرِ القلبيّ والملكوتيّ، وعوالمَ السّيرِ الرّوحيّ والجبروتيّ، بل وعوالمَ العشقِ والوحدةِ والأسماءِ والصّفاتِ اللّاهوتيّةِ، والعالمَ الأحديَّ، حتّى الذّاتِ الإلهيّةِ؛ فيدركُها شهودًا ووصولًا وحضورًا معرفيًّا. تلكَ عوالمُ لا تُحصى، لا يستطيعُ حتّى الملائكةُ المقرّبونَ الولوجَ إلى أعلاها، ولا يحيطونَ علمًا بمكامنِها الرّفيعةِ وظواهرِها العليا. وتبقى هذه الأنوارُ المعرفيّةُ مرافقةً للإنسانِ الإلهيّ في سيرهِ النّزوليّ.
يصيرُ الإنسانُ الإلهيّ الولائيّ، الذي يتّسمُ في قوسهِ النّزوليّ بالمحبوبيّةِ والوحيانيّةِ، وفي قوسهِ الصّعوديّ بمقامِ الرّوحِ، تحتَ تربيةِ الرّبّ الإلهيّ. فبضرورةٍ إلهيّةٍ، وبعشقٍ ووحدةٍ وصدقٍ، يتولّى اللهُ سبحانه حفظَهُ وتدبيرَ مصيرهِ، فيكونُ مصيرُهُ الحتميّ بيدِ اللهِ. ويُكرَمُ المحبوبُ الوحيانيّ في النّاسوتِ بنهايةٍ عزيزةٍ وشهادةٍ كريمةٍ. فالإنسانُ الولائيّ الذّاتيّ، الذي لا تؤثّرُ فيهِ شروطُ البيئةِ والمحيطِ، يكونُ فعليّةً تامّةً، لا تخضعُ للإعدادِ النّاسوتيّ أو التّعليمِ المدرسيّ، بل هو كما أرادَهُ اللهُ سبحانه. يتمتّعُ هذا الإنسانُ بعلمٍ برهانيٍّ، ومعرفةٍ شهوديّةٍ، وجمعيّةٍ وجوديّةٍ، وقربِ نوافلَ وفرائضَ، بلا قيدٍ أو شرطٍ.
يتلقّى الإنسانُ الحقّيّ رزقًا إلهيًّا يسوقهُ اللهُ إليهِ دونَ قلقٍ بشأنِ مصدرِهِ أو كيفيّةِ وصولِهِ. ويُختبَرُ هذا الإنسانُ، الذي يُعرفُ بالمحبوبِ، في خضمّ الحوادثِ البلائيّةِ التي يقدّرُها اللهُ لهُ. فلا يخشى المحبوبُ هذه الجلالاتِ، بل يستقبلُها بعشقٍ، متمسّكًا تحتَ سيوفِ البلاءِ. إنّ القاعدةَ النّاسوتيّةَ الوحيدةَ لهذا الإنسانِ الولائيّ الذّاتيّ هي تحمّلُ البلاءِ والعشقُ لجلالِ اللهِ. تلكَ هي خاصّيّةُ السّموِّ، والكمالِ، والأحسنيّةِ، التي تمنحُ المحبوبَ قدرةً على تحمّلِ البلاءِ والصّبرِ عليهِ.
يعيشُ المحبوبُ بمعرفةٍ وجوديّةٍ، لا يحتاجُ فيها إلى علمٍ مفهوميٍّ. فإنْ تمتّعَ بالجمعيّةِ، وسفرِ الرّابعِ، وهدايةِ الخلقِ، يرشدُ المستحقّينَ ببالغِ تضحياتِهِ وببيانِهِ الحقِّ، فيسوقُ المعرفةَ إليهم بنفَسِهِ وكلامِهِ. وفيما يلي، سنتناولُ الأنوارَ الشهوديّةَ للإنسانِ الإلهيّ، والحقائقَ المتجلّيةَ في سيرهِ التحويليّ النّزوليّ وخلقتِهِ النّورانيّةِ، ثمّ سيرهِ الصّعوديّ الذي يبدأُ بالقلبِ وينتهي بمرتبةِ الرّوحِ، والولايةِ، والنّورانيّةِ الختميّةِ، والتّعالي المتعالي.
الشهودُ التحويليّ الأسمى
يتلازمُ تجلّي الحقّ سبحانه وتعالى وتعيّنُهُ في التّجلّياتِ معَ المعرفةِ والعشقِ والشهودِ. فمشاهدةُ ذاتِ الحقّ بكمالِها وصفاتِها تُفضي إلى تعيّنٍ (اسمٍ) ومعرفةٍ وعشقٍ بها. والمرادُ بالتّحويلِ هنا هو التّعيّنُ النّزوليّ من لدنِ الحقّ في مرتبةِ التّعالي المتعالي، وكذلكَ في مقامِ الفعلِ والخلقِ. يُراعى ألاّ يُخلَطَ بينَ السّيرِ النّزوليّ ومشاهداتِهِ ومعارفِهِ وبينَ السّيرِ الصّعوديّ ومعرفتِهِ الارتقائيّةِ اللاحقةِ.
يبدأُ السّيرُ الصّعوديّ، بعيدًا عن الدّروجِ المثاليّةِ التي قد يعانيها أهلُ السّلوكِ أو الرّياضةِ أو الضّعفاءُ، والتي تتّسمُ بالتّقلّباتِ النّفسيّةِ والهبوطِ والصّعودِ المتعثّرِ الذي لا يتجاوزُ المثالَ النّاسوتيَّ، بباطنِ الإنسانِ من خلالِ القلبِ المجرّدِ. فيتدرّجُ إلى المعرفةِ والرّوحِ، بل إلى التّعالي المتعالي، والوحدةِ، والحقيقةِ. فالمعرفةُ تسمو فوقَ العلمِ المفهوميّ العقليّ، وحكمةُ القلبِ النّورانيّةِ، والوحدةُ، والحقيقةُ تفوقُ المعرفةَ.
تتميّزُ الرّوحُ بأسمى صفاتِها، وهي أنّها تجدُ اللهَ سبحانه في ذاتِها بصدقٍ ومحبّةٍ، فتتلقّى من حضورِهِ الرّبوبيّ والإلهيّ معارفَ ذاتَ مصدرٍ حقّيّ وقناةٍ إلهيّةٍ، تأتي في صورةِ وحيٍ نزوليٍّ، أو إلهامٍ، أو رؤيةٍ، أو شهودٍ. فتخضعُ جميعُ قوى الإدراكِ والرّوحِ لهذه الوحياتِ والإلهاماتِ والرّؤى والمشاهداتِ، متقبّلةً إيّاها بصدقٍ وتصديقٍ تامٍّ.
يظهرُ الصّدقُ والتّجرّدُ التّامّ من الطّمعِ حضوريًّا، ويتجلّى تمكينُهُ واقتدارُهُ بعدَ اشتدادِ القلبِ وتحويلِهِ إلى موهبةِ الرّوحِ، معَ التّحمّلِ العظيمِ لبلاءِ مقامِ الوصولِ إلى الذّاتِ، والذي يتمثّلُ في الغربةِ، والغرقِ، والغيبةِ. تُبيَّنُ هذه المنازلُ الثّلاثةُ في مقاماتِ السّالكينَ المعنويّةِ. إنّ إفناءَ التّعيّنِ وكسرَهُ، والعشقَ النّقيَّ، والوحدةَ، والإطلاقَ، والتّخفّفَ، هي للرّوحِ بمثابةِ التّهذيبِ والنّموّ الدّيناميكيّ، فترتقي بها إلى ما فوقَ التّجرّدِ. وموضوعُ المعرفةِ الرّوحيّةِ ومتعلّقُها هو الحقّ سبحانه وتعالى وحدهُ.
تبلغُ أعلى مراتبِ المعرفةِ وقمّةَ الإدراكِ الرّفيعِ بالأنسِ القلبيّ معَ اللهِ، والوجدانِ، وذوقِ الحقّ في القلبِ، بل في الرّوحِ. فيتحقّقُ الفتحُ وتتجلّى الطّهارةُ والصّفا والعشقُ والوحدةُ بشرابٍ إلهيٍّ يسوقهُ اللهُ إلى عبادِهِ، فيكسرُ كلَّ تعيّنٍ ويزيلُ كلَّ حجبٍ. يقولُ اللهُ تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} {الإنسان: ٢١}. وفي تفسيرِ هذه الآيةِ، يقولُ الإمامُ الصّادقُ عليه السّلام: «يُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ، إِذْ لَا طَاهِرَ مِنْ تَدَنُّسٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَكْوَانِ إِلَّا اللَّهُ»، أي إنّ اللهَ بذلكَ الشّرابِ الطّاهرِ يطهّرُهم من كلِّ شيءٍ سواهُ، فلا يبقى لهم إلاّ اللهُ، إذ لا طهارةَ من دنسِ التّعيّناتِ إلاّ باللهِ وحدهِ.
الفرقُ بينَ الشهودِ والمعرفةِ
يُحذَّرُ من خلطِ الشهودِ والمعرفةِ بالحقيقةِ العينيّةِ. فالشهودُ والمعرفةُ مرتبطانِ بالفاعلِ العارفِ ونسبيّانِ بحسبِهِ، بينما تتمتّعُ الحقيقةُ بتعيّناتِها ووجوهِها ومظاهرِها بعينيّةٍ خارجيّةٍ مستقلّةٍ عن الفاعلِ العارفِ. نتحدّثُ هنا عن شهودِ الحقيقةِ العينيّةِ وتجلّياتِها، فالشهودُ هو المعرفةُ والإدراكُ لهذه الحقيقةِ، لا الحقيقةُ ذاتُها. ولا ينبغي خلطُ المعرفةِ، التي قد تكونُ نسبيّةً بحسبِ الفاعلِ العارفِ، بالحقيقةِ المطلقةِ الواحدةِ.
ما سنتناولُهُ من شهودِ الأحديّةِ والواحديّةِ والأعيانِ الثّابتةِ هو بيانٌ للحقيقةِ العينيّةِ التي تُدرَكُ بالشهودِ القلبيّ أو الرّوحيّ، وليسَ من قبيلِ التّمثّلاتِ الخياليّةِ في الخيالِ المتصلِ الإنسانيّ، ولا أمرٌ مادّيّ محضٌ يقتصرُ على الفاعلِ العارفِ، ولا حكايةٌ ذهنيّةٌ قد تفتقرُ إلى العينيّةِ والحقيقةِ.
تتميّزُ حقيقةُ اللّاهوتِ وذاتُ الحقّ سبحانه، إلى جانبِ كونِها حقيقةً بلا تعيّنٍ، بتعيّناتٍ وساحاتِ الأحديّةِ الوصفيّةِ المتعاليةِ عن الوصفِ، والواحديّةِ القابلةِ للتّوصيفِ. والأعيانُ الثّابتةُ، كما سيأتي، هي عرضٌ لواحديّةِ الحقِّ.
مظهرُ الإنسانِ لتعيّناتِ الحقيقةِ العينيّةِ
يستطيعُ الإنسانُ، بعشقِهِ ووحدتِهِ ووصولِهِ إلى كلِّ تعيّنٍ من تعيّناتِ الحقيقةِ العينيّةِ، أن يصيرَ مظهرًا لهُ. والمظهرُ هو الوجهُ الظّاهرُ الذي يُدرَكُ من خلالِهِ الشّيءُ، فيُعرَفُ ماهيّتُهُ، ومحتواهُ، وجودتُهُ، ومقدارُ حقيقتِهِ. يتميّزُ المظهرُ بالتّمييزِ والتّعيّنِ والتّقييدِ والمحدوديّةِ في ظاهرِهِ. ويتصلُ المظهرُ بالظّاهرِ بوحدةٍ، لكن يفترقانِ في التّقييدِ والإطلاقِ؛ فالظّاهرُ يتبعُ المظهرَ في تقييدِهِ وتعيّنِهِ، والمظهرُ يتبعُ الظّاهرَ في ظهورِهِ وتجلّيهِ.
يُعدُّ الظّهورُ كشفًا لكلِّ ظاهرٍ بسببِ اختفاءِ الذّاتِ فيهِ. ومن ثمّ، يصلُ الظّهورُ عبرَ كسرِ التّعيّنِ إلى مقامِ الذّاتِ. يُحذَّرُ من خلطِ الموقعِ العينيّ للمُظهرِ والحقيقةِ العينيّةِ معَ الموقعِ الخارجيّ للمظهرِ والظّواهرِ العينيّةِ والظّهورِ الإنسانيّ، فلا يجوزُ أن يحلَّ مظهرٌ محلَّ الحقّ سبحانه وأسمائِهِ وصفاتِهِ والمُظهرِ، أو أن يتقدّمَ عليهِ.
الشهودُ التحويليّ الأسمى والوصفُ المتعالي
يُعدُّ الشهودُ الجمعيّ الجامعُ، ومشاهدةُ الذّاتِ في تعيّنِها الأسمى، الذي يتطلّبُ الأنسَ الأحديَّ البسيطَ وفناءَ الكلِّ لإيجادِ الرّابطِ، أوّلَ تعيّنٍ إلهيٍّ وأعمقَ معرفةٍ بسيطةٍ للإنسانِ الإلهيّ النّورانيّ بحقيقةِ الحقّ ووحدتِها، بعدَ عجزِهِ عن إدراكِ الذّاتِ وعبادتِها. يتحقّقُ هذا الشهودُ حضوريًّا في مقامِ القربِ الأعظمِ، وهو أسمى وأكملُ شهودِ الإنسانِ الحقّيّ ومعرفتِهِ النّورانيّةِ في السّيرِ النّزوليّ التحويليّ.
يتميّزُ مقامُ كسرِ التّعيّنِ لذاتِ الحقّ، المتعاليةِ عن كلِّ تعيّنٍ، بانعدامِ أيِّ لحاظٍ أو اعتبارٍ أو قيدٍ أو اسمٍ أو رسمٍ. إنّهُ مقامُ الصّمتِ والحيرانِ التّامّ، بل ما فوقَ التّيهِ العاشقِ، حيثُ يضيقُ الخناقُ حتّى بتسميتِهِ وجودًا أو ذاتًا أو حقًّا. إنّهُ مقامُ وحدةِ الوجودِ والحقيقةِ اللاّ مشروطةِ بإطلاقٍ لا يحدّهُ حتّى الإطلاقُ المقسّميّ. ومن ثمّ، يتحقّقُ شهودُ أعلى حقيقةِ الوجودِ، التي تصيرُ كلمةً، وتُظهرُ غيبَ الوجودِ ووحدتَهُ، للإنسانِ الإلهيّ ذي الظّهورِ النّورانيّ المظهريّ، بوحدةٍ حقيقيّةٍ وإطلاقٍ وبساطةٍ مُظهريّةٍ للحقّ، وبالوصولِ إلى العشقِ والوحدةِ. فتؤولُ الذّاتُ في هذه المشاهدةِ إلى مرتبةِ التحويلِ، حيثُ يُدرَكُ الحقّ في عشقٍ ووحدةٍ مطلقينِ بلا لغةٍ. لا يحتملُ هذا التّعيّنُ الأسمى جزئيّةً تُفضي إلى تركيبٍ، ولا يقبلُ غيريّةً تشاركُهُ، فكلُّ لحاظٍ وكمالٍ وكثرةٍ ظهوريّةٍ فيهِ مندكّةٌ ومنكسرةٌ ومجملةٌ.
يظلُّ الشهودُ التحويليّ الجمعيّ الجامعُ غيرَ قابلٍ للوصفِ أو البيانِ، إذ هذا التّعيّنُ لا يقبلُ الوصفَ بذاتِهِ، وكلُّ ما يُقالُ عنهُ هو وصفٌ محتومٌ بالعجزِ. لا يمكنُ صياغةُ كلامٍ عن هذا الشهودِ، وكلُّ قولٍ يُفضي إلى تدنيسِ هذا الشهودِ العالي. إنّ هذه الذّاتَ، ذاتَ التّعيّنِ الأسمى، كمقامِ الذّاتِ المتعاليةِ عن التّعيّنِ، هي مقامُ الصّمتِ المعرفيّ، والتّيهِ العاشقِ، والعشقِ النّقيّ، حيثُ لا شيءَ للشّاهدِ سوى التّمكينِ ونهايةِ الصّفا والوحدةِ. لا يُدرَكُ هذا العيانُ المتعالي عن البيانِ إلاّ بالشهودِ الإلهيّ الجمعيّ الجامعِ. وبما أنّهُ لا تعدّدَ فيهِ، بل وحدةٌ محضةٌ، فليسَ هذا الإدراكُ معرفةً يسعى إليها الإنسانُ الطّبيعيّ المادّيّ، بل تتلاشى فيهِ كلُّ المعارفِ البشريّةِ والخلقيّةِ، بل إذا بقيَ فناءُ الذّاتِ وتلاشى التّعيّنُ الأحديّ، يصلُ الإنسانُ بلا تعيّنٍ إلى الذّاتِ بلا تعيّنٍ.
يبدأُ شهودُ آثارِ وأحكامِ الأسماءِ الذّاتيّةِ للحقّ سبحانه بصورةٍ جمعيّةٍ، حيثُ يغلبُ لحاظُ الذّاتِ وكمونُها على وصفِها، فيكونُ أوّلَ شهودِ العشقِ والوحدةِ. فتُرى الذّاتُ في هذا الشهودِ بتعيّنِ الوحدةِ والجمعيّةِ وكمونِ الأسماءِ الذّاتيّةِ، دونَ تركيبٍ داخليٍّ أو اسمٍ محدّدٍ، فهي بسيطةٌ محضةٌ.
تُدرَكُ ذاتُ الحقّ، من حيثِ وحدتُها الباطنيّةُ دونَ أيِّ تعيّنٍ أو ظهورٍ تفصيليٍّ، بلا ظهورٍ أو إعلانٍ أو حكمٍ إيجابيٍّ أو سلبيٍّ أو قيدٍ أو محدوديّةٍ. فتظهرُ جميعُ الأسماءِ والتّعيّناتِ والآثارِ والأحكامِ الذّاتيّةِ الباطنيّةِ (لا الأسماءِ الذّاتيّةِ أو الصّفاتيّةِ) بصورةٍ متساويةٍ وبسيطةٍ وجمعيّةٍ، دونَ أيِّ تفاوتٍ. تندمجُ الأسماءُ الذّاتيّةُ في متنِ التّعيّنِ الأحديّ المطلقِ للذّاتِ، وهذه الكثرةُ الاندماجيّةُ الظّهوريّةُ الجمعيّةُ تمتلكُ اتّحادًا نفسَ الأمريّ، وهي مجرّدُ بيانٍ لعشقِ ووحدةِ الذّاتِ الغيبيّةِ، لا توصيفٌ أو تعريفٌ. فالأحديّةُ الجمعيّةُ للأسماءِ هي عينُ ذاتِ الحقّ، وتختلفُ عنها في المرتبةِ واللّحاظِ فقط. في هذا التّعيّنِ، لا وجودَ إلاّ للحقّ سبحانه.
يُعدُّ التّعيّنُ الأحديّ أوّلَ مراتبِ التّحويلِ النّزوليّ للحقّ إلى ظهورٍ كلّيٍّ يشملُ جميعَ الأعيانِ، وهو دانٍ ومدركٌ لكلِّ الأسماءِ والصّفاتِ بصورةٍ كلّيّةٍ ومجملةٍ واندماجيّةٍ، دونَ أن يضافَ إلى وصفٍ. إنّهُ تعيّنٌ واحدٌ بذاتِهِ، لا يقابلُ وحداتٍ أخرى أو يقاسُ بها، بل يحضرُ في متنِها جميعًا دونَ أن يختلطَ أو يتلوّثَ أو يتقيّدَ بمرتبتهم. فوحدةُ الذّاتِ، كتعيّنِ الذّاتِ في ذاتِها المستقلّةِ بحبِّها الذّاتيّ لتصيرَ اسمًا، هي عينُ الذّاتِ. ولا تُلحَظُ الكثراتُ الاسمائيّةُ الاندماجيّةُ وآثارُ وأحكامُ ووجوهُ الذّاتِ الكامنةِ، وإن كانتْ في الذّاتِ، فلا غيريّةَ معَ الذّاتِ. وما يُعبَدُ ويُدرَكُ بأعلى المعارفِ هو الذّاتُ من حيثِ تعيّنُها الأسمى.
يُعدُّ شهودُ ظهورِ حقيقةِ ذاتِ الحقّ في ذاتِها بإجمالٍ، وبشرطِ اللّا من كلِّ كمالٍ أو وجهٍ سوى وجهِ الذّاتِ، أوّلَ اسمٍ وتعيّنٍ لحقيقةِ الوجودِ والحقّ، وأجملَ شهودِ الإنسانِ النّورانيّ وأسماهُ. إنّهُ يشيرُ إلى الإطلاقِ المتعالي، واللّامتناهي، والمتعالي عن التّعيّنِ والحكمِ، أي مقامِ اللّا تعيّنِ.
يتمثّلُ الشهودُ الأسمى في التّحويلِ الأعلى (النّزولِ العلميّ) في همّةٍ وتمكينِ شهودِ وحدةِ الذّاتِ الحقيقيّةِ، دونَ أن تُرى الهّمةُ والتّمكينُ فيهِ. إنّهُ علمٌ جمعيٌّ جامعٌ، مغلقٌ ومضغوطٌ ومكتومٌ، يشملُ كلَّ التّحويلاتِ والأحوالِ اللاحقةِ للذّاتِ، ومعرفةٌ بكلِّ تعيّنٍ من حيثِ ربطِهِ الباطنيّ بالذّاتِ.
يتميّزُ شاهدو الوحدةِ الجمعيّةِ الجامعةِ بظهورِ وحدةِ الحقّ وتفرّدِهِ، وهم مختارونَ ومصطفونَ. وإن كانتْ تربيةُ هؤلاءِ الشّاهدانِ الإلهيّةُ منهجيّةً، متّسقةً، ومنطقيّةً ربوبيّةً، فإنّها لا تتحقّقُ جماعيًّا أو على نطاقٍ واسعٍ، وإن أمكنَ أن يصاحبَها في فترةٍ ما عددٌ قليلٌ جدًّا.
يُظهرُ تعيّنُ الذّاتيّ لعشقِ ووحدةِ الحقّ كلَّ النّعمِ والجمالاتِ الحقيقيّةِ للحقّ، وكلَّ الكثراتِ الظّهوريّةِ والنّمائيّةِ، بإجمالٍ وتفصيلٍ، في الأعيانِ الثّابتةِ، وفي تفاوتِ الاقتضاءاتِ الباطنيّةِ والتّكوينيّةِ والخلقيّةِ، بعشقِ الظّهورِ. وهذا الظّهورُ الوحيدُ المتفرّدُ يحملُ في كلِّ تجلٍّ وجهًا أحديًّا بحكمِ وحدةٍ وعشقِ حقيقةِ الوجودِ المطلقةِ.
يُشاهدُ في هذا المقامِ اسمُ “هو” وحدهُ، وهو حيثيّةُ جمعٍ ووحدةِ الأسماءِ الذّاتيّةِ في مقامِ الذّاتِ، وليسَ الذّاتُ ذاتُها. ويسمو الوصولُ إلى هذه الوحدةِ فوقَ شهودِها وإدراكِها، ففي مثلِ هذا الوصولِ لا يبقى شاهدٌ يشهدُ، ولا قولٌ يحتاجُ إلى صياغةٍ. بل تستغرقُ حقيقةُ الذّاتِ في عشقِها ووحدتِها، فيشهدُ الحقّ ذاتَهُ بذاتِهِ، ولا يُرى سوى الذّاتِ، دونَ أسماءٍ أو صفاتٍ أو كمالاتٍ أو مظاهرَ. إنّهُ شهودٌ متعالٍ عن الأسماءِ والصّفاتِ وكلِّ ظهورٍ ومظهرٍ، حيثُ لا وجودَ إلاّ للذّاتِ التي تُشاهدُ بالذّاتِ وتُدرَكُ بالذّاتِ دونَ أيِّ لحاظٍ للأسماءِ أو الصّفاتِ أو الكمالاتِ.
في التّعيّنِ الأحديّ، يكونُ المُبدعُ والمُبدَعُ كلاهما مطلقًا وكلّيًّا، وإلاّ لما كانَ للظّهورِ والنّماءِ الإطلاقيّ أيُّ تجلٍّ. فالمتجلّي هو الذّاتُ الأحديّةُ، التي تُظهرُ بفاعليّتِها المطلقةِ تعيّنًا إطلاقيًّا وبسيطًا، وهو آثارٌ وأحكامٌ ذاتيّةٌ باطنيّةٌ. تتمتّعُ أوصافُ وكمالاتُ هذه المرتبةِ بوجودٍ أزليٍّ خاصٍّ بالذّاتِ الأحديّةِ وغيبِ الغيوبِ، لا يمكنُ أن تتعلّقَ بالخلقِ أو أن تُدرَكَ من قبلهِ، فيميّزُ الخلقَ عن الحقّ ويفترقُ عنهُ. إلاّ إذا غلبَ الجانبُ الرّبوبيّ في الخلقِ على جانبِهِ الخلقيّ، فاستهلكَ وفنيَ، ووصلَ إلى مقامِ الفناءِ الذّاتيّ والمحوِ الحقيقيّ والبقاءِ بعدَ الفناءِ، فتزولُ الثّنائيّةُ وتنتفي الفروقُ، ويصيرُ المظهرُ لهذا التّعيّنِ الإلهيّ متمتّعًا بالإطلاقِ. كما قيلَ: «لا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ»، أي لا فرقَ بينكَ وبينَ آياتِكَ إلاّ أنّهم عبادُكَ وخلقُكَ.
كما أنّ الأسماءَ والصّفاتِ في التّعيّنِ الأحديّ مظهريّةٌ تتمتّعُ بالاندماجِ، ولا فيضَ ولا خلقَ في هذه السّاحةِ، فإنّ المظهرَ الإنسانيَّ الختميَّ لهذا التّعيّنِ الأسمى يتميّزُ بالاندكاكِ والاستواءِ، لا بالانبساطِ. ولا يصيرُ مظهرًا اندكاكيًّا وكلّيًّا لهذا التّعيّنِ الاندماجيّ إلاّ مظهرُ الخاتميّةِ، وهو واحدٌ. فالفيضُ والخلقُ، من حيثِ المظهريّةِ، يُنسبُ إلى المقامِ الختميّ، لا إلى ظهورِ الأسماءِ والصّفاتِ الأحديّ أو الواحديّ، إذ لو كانَ كذلكَ لأُدخلَ النّقصُ على الحقّ سبحانه.
تتمتّعُ الخاتميّةُ في المقامِ الرّبوبيّ بتعيّناتٍ لا تظهرُ أبدًا، ولا يحيطُ بها أحدٌ علمًا، لكنّها موجودةٌ علميًّا في حضرةِ الذّاتِ الإلهيّةِ اللامتناهيّةِ.
الشهودُ التوصيفيّ للأسماءِ
يتجلّى الحقّ سبحانه في تحويلٍ آخرَ، بعشقِهِ، في تعيّنٍ وظهورٍ اسمائيٍّ، فيشاهدُ تفرّدَهُ ويُدرَكُ بكمالاتِهِ وأوصافِهِ الذّاتيّةِ الحقيقيّةِ المتمايزةِ وبآثارِها وأحوالِها، وبلحاظِ تفصيلِ كلِّ وجوهِها ومظاهرِها. ففي التّعيّنِ الواحديّ، تتعدّدُ ظهوراتُ الأسماءِ والصّفاتِ والكمالاتِ، لكنّها تصدرُ عن مصداقٍ واحدٍ. ويُعرَفُ الحقّ سبحانه بصفاتِهِ ووحدتِها معَ الذّاتِ، فتُرى الصّفاتُ ظهورًا للذّاتِ وفي الذّاتِ بوحدةٍ من خلالِ الشهودِ النّورانيّ. فإذا أُزيلتْ كثرةُ الظّهورِ الاسمائيّ، تحوّلَ الشهودُ إلى التّعيّنِ الأسمى.
يتميّزُ التّعيّنُ الواحديّ بالعشقِ للصّفاتِ الحقيقيّةِ، والسّكرِ، والتّجلّي المستمرّ لحظةً بلحظةٍ. وتتجلّى الواحديّةُ باسمِ “الرّبّ” للفيضِ والخلقِ، فاسمُ الرّبّ هو ظهورُ الواحديّةِ لكلِّ ظاهرةٍ. وفي هذا التّعيّنِ، تُدرَكُ الأوصافُ التّفصيليّةُ اللّانهائيّةُ، وهي عينُ الذّاتِ، بالأنسِ الشّاملِ لكلِّ صفةٍ، حيثُ كلُّ صفةٍ هي عينُ الأخرى ووجهٌ من وجوهِ الذّاتِ، لا صفاتٌ مضافةٌ. ويظهرُ اختلافُها بحسبِ الاقتضاءاتِ الرّبوبيّةِ والباطنيّةِ للمظاهرِ، التي تنبثقُ كلُّها من الفاعليّةِ الإلهيّةِ في الظّهورِ والإبداعِ وإيجادِ التّعيّنِ، لا من قابليّةِ التّعيّناتِ التي لا تملكُ ذاتًا أو استقلالًا، ولا تستطيعُ أن تكونَ قابلةً ذاتيّةً مستقلّةً. يقولُ اللهُ تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} {الإسراء: ٨٤}. فكلُّ ظاهرةٍ لها حكمٌ يضعُ أمامَها نظامًا معرفيًّا يحدّدُ مسارَ فعلِها، ويجعلُها معذورةً.
تتميّزُ الأسماءُ الصّفاتيّةُ، بحسبِ ما تقدّمَ، بظهورٍ تشكيكيٍّ يتّسمُ بالشّدّةِ والضّعفِ، والتّقدّمِ والتّأخّرِ، والظّهورِ والبطونِ التّكوينيّ، بناءً على كينونتِها وسِرِّ القَدَرِ. وهي أوصافٌ قابلةٌ للتّوصيفِ، يتجلّى ظهورُها ونموُّها الكاملُ بعشقِ الذّاتِ، ويمكنُ بيانُها ونقلُها في علمِ الأسماءِ والصّفاتِ الإلهيّةِ. يتحقّقُ هذا الشهودُ في السّيرِ الصّعوديّ في السّفرِ الثّاني للإنسانِ الإلهيّ. ففي السّفرِ الأوّلِ، يشهدُ الإنسانُ الإلهيّ ظهوريّةَ الخلقِ وكثرتَهُ، فيسيرُ بعشقٍ وجمعيّةِ خاطرٍ من الخلقِ إلى الوحدةِ والحقّ. وفي السّفرِ الثّاني، لا يلتفتُ إلى الخلقِ وكثرتِهِ الظّهوريّةِ، بل يسيرُ في الأسماءِ والصّفاتِ الإلهيّةِ، من الحقّ إلى الحقّ. أمّا السّفرُ الثّالثُ فهو من الحقّ إلى فعلِهِ وخلقِهِ بمعيّةِ الحقّ. والسّفرُ الرّابعُ هو من الخلقِ إلى الخلقِ معَ الحقّ، بهدفِ هدايةِ الخلقِ. وكلُّ هذه الأسفارِ صعوديّةٌ وارتقائيّةٌ.
شهود الأعيان العلمية
يُحوّلُ ظهورُ الواحديّةِ، بوصفهِ تجلّيًا إلهيًّا، الأعيانَ الثابتةَ العلميةَ تحويلًا عرضيًّا ولازمًا. هذا الظهورُ نابعٌ من العلمِ والأنوارِ المعرفيّةِ الكامنةِ في الذّاتِ الإلهيّةِ، وعارضٌ ولازمٌ لها؛ فهو متّصلٌ بالذّاتِ الحقّةِ سبحانه، وفيها يتجلّى، ويُفيضُ بحسبِ الأسماءِ والصّفاتِ الإلهيّةِ نورَ المعرفةِ على كلِّ شيءٍ. فيشهدُ الإنسانُ النّورانيّ، في هذا التّجلّي، الحقَّ سبحانه متجلّيًا بأسمائِهِ وصفاتِهِ في علمهِ ومعرفتِهِ، فيُدركُ كلَّ تعيّنٍ ومظهرٍ، وما يتعلّقُ به من أحوالٍ وشخصيّاتٍ، بعينِ العلمِ الإلهيّ وبصورةٍ فاعلةٍ تتجلّى في ظهورٍ واحدٍ. وهكذا، فإنّ كلَّ ظهورٍ وتجلٍّ، بما فيه من أدوارٍ وأحوالٍ لا نهائيّةٍ، إنّما هو من معرفةِ الحقِّ سبحانه وتعالى.
كلُّ مظهرٍ خلقيٍّ وكلُّ موجودٍ هو تجلٍّ لمعرفةِ الحقِّ الذّاتيّةِ، وهي المعرفةُ التي تتّخذُ صورةَ الفعلِ والظهورِ الخلقيّ، وتُشكّلُ أصلَ التّقديرِ الوجوديّ. فالأعيانُ العلميّةُ تسبقُ الظهورَ الفعليَّ والخلقيَّ، وتُعدُّ وسيطةً لظهورِ الأسماءِ والصّفاتِ الإلهيّةِ دونَ أن تكونَ ذاتَ جعلٍ ناسوتيٍّ أو حدوثٍ مادّيٍّ.
يشهدُ الإنسانُ الإلهيّ، في شهودهِ النّورانيّ للأعيانِ الثابتةِ، رؤيةَ علمِ الحقِّ سبحانه من منظارِهِ الإلهيّ ومعرفتِهِ. فيُدركُ التّعيّناتِ الأزليّةَ، وما فيها من شخصيّاتٍ وأربابٍ – أو، بعبارةٍ مسامحيّةٍ تعليميّةٍ، نواةِ كلِّ ظهورٍ – التي تُعدُّ اقتضائيّةً للنّاسِ العاديّينَ وضروريّةً للإنسانِ الإلهيّ، فيراها إلى الأبدِ متميّزةً وفريدةً. هذه الأعيانُ العلميّةُ، بمعرفتِها النّورانيّةِ، ذاتُ تأخّرٍ وحدوثٍ ذاتيٍّ لا ينافي أزليّتَها، فهي لازمةٌ لذاتِ الحقِّ سبحانه، وعارضةٌ عليها، باقيةٌ ببقائِهِ الأزليّ، لا بإبقاءٍ يقتضي جعلًا.
اتّصافُ الذّاتِ الإلهيّةِ بالأعيانِ الثابتةِ إنّما هو اتّصافٌ عرضيٌّ (بمعنى الإسنادِ المجازيّ)، لا تبعيٌّ (بمعنى الإسنادِ الحقيقيّ). ففي الاتّصافِ التبعيّ، يحتاجُ الوصفُ (الأعيانُ) في ظهورِهِ إلى الموصوفِ (الذّاتِ)، ويتجلّى معهُ دائمًا؛ بمعنى أنّ الوصفَ (الأعيانَ) يُثبتُ حقيقةً للموصوفِ (الذّاتِ الإلهيّةِ) في الخارجِ، كما يتّصفُ بالشّيءِ الثّاني (علمِ الحقِّ) اتّصافًا ذاتيًّا دونَ وساطةٍ في الثّاني (العلمِ)، أي إنّ العلمَ يحملُ الأعيانَ بذاتِهِ لا بحملٍ خارجيٍّ، وبواسطةِ حملِ الصّفةِ على الثّاني في الأوّلِ (الذّاتِ). كما في اتّصافِ الماءِ بالحرارةِ تبعًا لحرارةِ النّارِ، إذ تكونُ حرارةُ النّارِ وسيطًا لثبوتِ الحرارةِ للماءِ.
أمّا في الاتّصافِ العرضيّ، فلا يقبلُ الوصفُ (الأعيانُ) حملًا دونَ لحاظِ الموصوفِ (الذّاتِ). واتّصافُ شيءٍ (علمِ الحقِّ) بالأعيانِ إنّما هو من بابِ وصفِ حالِ المتعلّقِ (العلمِ) بالموصوفِ (الذّاتِ الإلهيّةِ). كما في اتّصافِ علمِ الحقِّ بالأعيانِ الثابتةِ بسببِ ظهورِ الذّاتِ الإلهيّةِ في أسمائِها وصفاتِها. في هذه الحالةِ، يثبتُ الوصفُ (الأعيانُ) للأوّلِ (الذّاتِ) فقط، وللواسطةِ (الأسماءِ والصّفاتِ) ثبوتًا واسطيًا، دونَ ثبوتٍ عينيٍّ خارجيٍّ. لكن بما أنّ الذّاتَ متّصلةٌ بالأسماءِ والصّفاتِ، يُنسبُ الوصفُ إلى الثّاني (الأسماءِ والصّفاتِ) أيضًا. ولا يعني ذلكَ أنّ الذّاتَ ذاتُ وجودٍ والأسماءَ والصّفاتَ ذاتُ وجودٍ آخرَ، بل إنّ جميعَ الأسماءِ والصّفاتِ تتجلّى بوجودِ الذّاتِ الإلهيّةِ، وهي عينُ وجودِها. فاتّصافُ الذّاتِ بالأعيانِ الثابتةِ حقيقيٌّ، والأعيانُ الثابتةُ أوصافٌ حقيقيّةٌ، لا مجازيّةٌ. والذّاتُ الإلهيّةُ، بنورِها – أي بعلمِها وأعيانِها الثابتةِ العلميّةِ – متّحدةٌ أزليًّا وأبديًّا.
إنّ جميعَ شخصيّاتِ الظّواهرِ وأحكامِها، بمراتبِها المتنوّعةِ، كامنةٌ في أعيانِها الثابتةِ. ويمكنُ، بسيرٍ باطنيٍّ معنويٍّ قلبيٍّ، أن تُرى هذه الأعيانُ بصورةٍ متعاليةٍ عن الزّمانِ، وأن تُحاطَ بمرتبةِ كلٍّ منها بعينِ الإشرافِ والإحاطةِ، فتُحضَرُ وتُصَدَّقُ.
شواهدُ روائيّةٌ للمعرفةِ النّورانيّةِ
وردت رواياتٌ كثيرةٌ تتحدّثُ عن الخلقِ والمعرفةِ والعلمِ النّورانيّ. فالخلقُ هو تقديرٌ ونزولٌ علميٌّ، والنّورُ هو التّجلّي والإشراقُ العلميُّ في ساحةٍ تسبقُ ساحةَ النّاسوتِ، وقبلَ الظّهورِ بكسوةٍ مادّيّةٍ، وهو الظّهورُ العلميُّ في قوسِ النّزولِ التحويليّ. فالقوسُ النّزوليُّ قوسٌ علميٌّ.
الخلقُ النّورانيُّ هو مبدأُ المعرفةِ النّورانيّةِ والحضورِ العلميّ، في إحدى الحضراتِ التي تسبقُ النّاسوتَ، حتّى مقامِ الذّاتِ الإلهيّةِ. وهذا الظّهورُ الأخيرُ متّسمٌ بالإرادةِ التّكوينيّةِ، وهو موهبةٌ إلهيّةٌ يُعرفُ بها المحبوبُ، شبيهٌ بنظامِ الوحيِ الإلهيّ.
يمكنُ تأويلُ بعضِ الرّواياتِ التي تتحدّثُ عن الظّهورِ الظّلّيّ، بصورةٍ إجماليّةٍ، على أنّها تبيينٌ للمعرفةِ الحضوريّةِ والشّهودِ النّورانيّ في العوالمِ ما قبلَ النّاسوتِ، وفي العوالمِ الرّبوبيّةِ، وقبلَ الخلقِ، كالأعيانِ الثابتةِ. ومن ذلكَ ما رواهُ جابرُ بنُ يزيدَ، قال: قال لي أبو جعفرٍ عليه السّلام: «يا جابرُ، إنّ اللهَ أوّلَ ما خلقَ، خلقَ محمّدًا صلّى الله عليه وآله وعترتَهُ الهداةَ المهتدينَ، فكانوا أشباحَ نورٍ بينَ يدي اللهِ. قلتُ: وما الأشباحُ؟ قال: ظلُّ النّورِ، أبدانٌ نورانيّةٌ بلا أرواحٍ، وكانَ مؤيّدًا بروحٍ واحدةٍ، وهي روحُ القدسِ، فبهِ كانَ يعبدُ اللهَ وعترتَهُ، ولذلكَ خلقَهم حلماءَ علماءَ بررةً أصفياءَ، يعبدونَ اللهَ بالصّلاةِ والصّومِ والسّجودِ والتّسبيحِ والتّهليلِ، ويصلّونَ الصّلواتِ ويحجّونَ ويصومونَ».
في هذه الرّوايةِ، تُشيرُ تعابيرُ «أشباحَ نورٍ»، «ظلُّ النّورِ»، و«أبدانٌ نورانيّةٌ» إلى التّعيّنِ العلميّ للإنسانِ الإلهيّ النّورانيّ، الذي يُعرفُ بالمحبوبِ، في العوالمِ الرّبوبيّةِ، وفي تعيّناتِ مقامِ الذّاتِ، وإلى مشاهدتِهِ في هذه العوالمِ بتعيّنٍ علميٍّ. وهذا التّجلّي العلميُّ مظهرٌ كاملٌ لنورِ الحقِّ سبحانه، ولكونِهِ تجلّيًا علميًّا، فهو لا يتمتّعُ بالاستقلالِ، بل هو متّسمٌ بوجهٍ إلهيٍّ متعالٍ.
روحُ القدسِ عقلٌ مقرّبٌ، يُمكّنُ بحمايتِهِ من الوصولِ إلى العوالمِ ما فوقَ النّاسوتِ، والشّهودِ والحضورِ فيها. وهو من الأرواحِ التي ترافقُ الظّواهرَ العاليةَ. فعلى سبيلِ المثالِ، كانَ روحُ القدسِ معَ سيّدنا عيسى عليه السّلام منذُ ولادتِهِ، فمنحَهُ قدرةَ التّكلّمِ، وحماهُ من الأعداءِ. لكن لا دليلَ يؤكّدُ أنّ سيّدنا موسى عليه السّلام تمتّعَ بمثلِ هذا التّأييدِ.
تتّسمُ ظاهرةُ اقتدارِ روحِ القدسِ بأنّها مدبّرةٌ، موكّلةٌ، حاميةٌ، مرافقةٌ، معلّمةٌ، ومربّيةٌ للظّواهرِ العاليةِ. وهذه الظّاهرةُ المعنويّةُ، بطهرِها وصفائِها، تُعدُّ من رفقاءِ الأولياءِ المحبوبينَ المخلَصينَ ومعينيهم. أمّا مقامُ الختميّةِ صلّى الله عليه وآله وأهلِ البيتِ عليهم السّلام، فهو أسمى من روحِ القدسِ، إذ إنّ روحَ القدسِ، باقتدارِهِ الرّوحيّ، في خدمتهم. وهذه الظّاهرةُ الرّوحيّةُ، بطهارتِها وصفائِها وعشقِها ووحدتِها وقداستِها المعنويّةِ، سُمّيتْ بهذا الاسمِ، وهي، كجبرائيلَ وغيرِهِ من الظّواهرِ الرّوحيّةِ، تتمتّعُ بحركةٍ وجوديّةٍ ظهوريّةٍ وفعلٍ إشعاعيٍّ.
العباداتُ المذكورةُ في الرّوايةِ هي عباداتٌ تكوينيّةٌ حبّيّةٌ، لا تشريعيّةٌ إراديّةٌ. فجميعُ الرّواياتِ التّكوينيّةِ تُبيّنُ كيفيّةَ التّجلّي والتّعيّنِ، ولا تتعلّقُ بالتّشريعِ الخاصِّ بساحةِ النّاسوتِ.
وفي روايةٍ أخرى، قال المفضّلُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ عليه السّلام: «كيفَ كنتم حيثُ كنتم في الأظلّةِ؟ فقال: يا مفضّلُ، كنّا عندَ ربّنا، ليسَ عندَهُ أحدٌ غيرُنا، في ظلّةٍ خضراءَ، نُسبّحُهُ ونُقدّسُهُ ونُهلّلُهُ ونُمجّدُهُ، وما من ملَكٍ مقرّبٍ ولا ذي روحٍ غيرُنا، حتّى بدا لهُ في خلقِ الأشياءِ، فخلقَ ما شاءَ كيفَ شاءَ منَ الملائكةِ وغيرِهم، ثمّ أنهى علمَ ذلكَ إلينا».
تعبيرُ «ظلّةٍ خضراءَ» قد يُشيرُ إلى شدّةِ ظهورِ الذّاتِ الإلهيّةِ المطلقةِ في التّجلّي والتّعيّنِ العلميّ، حيثُ تُغطّي شدّةُ نورِ التّعيّنِ بظلمةٍ، وكلّما قُيّدَ النّورُ، اقتربَ إلى البياضِ فصارَ أخضرَ. وفرازُ «ليسَ عندَهُ أحدٌ غيرُنا» يُعبّرُ عن تقدّمِ التّجلّي المطلقِ على التّجلّي المقيّدِ طوليًّا، وهو خالٍ من نفيِ الحيّزِ الزّمانيّ. أمّا «ثمّ أنهى علمَ ذلكَ إلينا»، فينظرُ إلى الرّؤيةِ والشّهودِ والحضورِ العلميّ في العوالمِ ما قبلَ النّاسوتِ، وهو المقامُ الذي وردَ عن الإمامِ الصّادقِ عليه السّلام في وصفِ مستوى شهودهِ ومعرفتِهِ، إذ قال: «إنّي لأعلمُ ما في السّماءِ وأعلمُ ما في الأرضِ وأعلمُ ما في الجنّةِ وأعلمُ ما في النّارِ وأعلمُ ما كانَ وأعلمُ ما يكونُ، علمتُ ذلكَ من كتابِ اللهِ، إنّ اللهَ تعالى يقولُ فيهِ {تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ}» {النحل: ٨٩}.
وروى حارثُ بنُ مغيرةَ عن الإمامِ الصّادقِ عليه السّلام أنّهُ قال: «إنّي لأعلمُ ما في السّماءِ وأعلمُ ما في الأرضِ وأعلمُ ما في الجنّةِ وأعلمُ ما في النّارِ وأعلمُ ما كانَ وأعلمُ ما يكونُ». ثمّ توقّفَ لحظةً، فلما رأى أنّ الكلامَ ثقيلٌ على السّامعينَ، قال: «هذا علمتُهُ من كتابِ اللهِ عزّ وجلّ، إذ يقولُ: {تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ}» {النحل: ٨٩}.
وروى الإمامُ الباقرُ عليه السّلام: «إنّ اللهَ خلقَ الخلقَ، فخلقَ ما أحبّ ممّا أحبّ، وكانَ ما أحبّ أن خلقَهُ من طينةِ الجنّةِ، وخلقَ ما أبغضَ ممّا أبغضَ، وكانَ ما أبغضَ أن خلقَهُ من طينةِ النّارِ، ثمّ بعثَهم في الأظلّةِ». فقال عُقبةُ: وأيُّ شيءٍ الأظلّةُ؟ فقال: «ألم ترَ إلى ظلّكَ في الشّمسِ، شيءٌ وليسَ بشيءٍ؟ ثمّ بعثَ اللهُ فيهم النّبيّينَ يدعونهم إلى الإقرارِ باللهِ، وهو قولُهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}» {الزخرف: ٨٧}. ثمّ دعاهم إلى الإقرارِ بالنّبيّينَ، فأقرّ بعضُهم وأنكرَ بعضُهم، ثمّ دعاهم إلى ولايتِنا، فأقرّ بها، واللهِ، من أحبّ، وأنكرَها من أبغضَ، وهو قولُهُ: {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} {الأعراف: ١٠١}. ثمّ قال أبو جعفرٍ عليه السّلام: «كانَ التّكذيبُ ثمّ».
إنّ قدرَ المتيقّنِ من هذه الرّواياتِ، التي تتحدّثُ عن الظّهورِ الظّلّيّ لأهلِ البيتِ عليهم السّلام، يُشيرُ إلى الظّهورِ العلميّ في العوالمِ ما قبلَ النّاسوتِ، الذي يتجلّى بمعرفةِ الحقِّ واهتمامِهِ وعنايتِهِ. ومع ذلكَ، فإنّهم يتمتّعونَ بقدرةِ التّجلّي والشّهودِ والوصولِ الأحديّ، وإثباتُ شيءٍ لا ينفي ما عداهُ.
الخلقُ في مثلِ هذه الرّواياتِ لا يعني الحدوثَ، بل النّزولَ والتّحويلَ بصورةٍ علميّةٍ، والحدوثُ الخلقيُّ النّاسوتيُّ إنّما هو إحدى مراتبِهِ. فالحدوثُ في المراتبِ الحقّيّةِ، إنْ وُجدَ، لا يُشبهُ الحدوثَ النّاسوتيَّ، بل المرادُ منهُ التّعيّنُ والظّهورُ الرّبوبيُّ في السّيرِ النّزوليّ العلميّ. وفي الرّوايةِ الأخيرةِ، قد تُشيرُ «طينةُ الجنّةِ» إلى ظهورِ الأسماءِ النّورانيّةِ والمعرفةِ المتساميةِ، و«طينةُ النّارِ» إلى ظهورِ الأسماءِ الجلاليّةِ. وقد تكونُ «ما أحبّ» إشارةً إلى الأسماءِ الذّاتيّةِ.
وبطلانُ جهازِ الماهيّةِ الفلسفيّةِ يجعلُ تفسيرَ الأعيانِ الثابتةِ بالماهيّاتِ أو حدودِ الظّواهرِ غيرَ جائزٍ. فلا ظهورٌ ولا تجلٍّ يتساوى في طرفَي الوجودِ والعدمِ، بل إنّ جميعَ الظّهوراتِ فعلُ الحقِّ سبحانه، وبلحاظِ الظّاهرِ والباطنِ، فإنّها متمتّعةٌ بكمالِ الفعليّةِ، وهي أزليّةٌ أبديّةٌ سرمديّةٌ.