الفصل الخامس: استهلاك الماء والسوائل
الفصل الخامس: استهلاك الماء والسوائل
يحتاج الجسد إلى ماء نقي لتسهيل هضم الطعام، نقل المغذيات إلى الخلايا، وإخراج الفضلات. عندما لا تُلبى هذه الحاجة، ويُستهلك الطعام الصلب دون شرب كمية كافية من الماء، ينتج عن ذلك الإمساك وأمراض أخرى. يلعب الماء دورًا حاسمًا في هضم الطعام، نقل المغذيات، وإخراج الفضلات عبر البول والبراز. نقص الماء يؤدي إلى الإمساك، إذ يُعتبر ضروريًا لتليين البراز وتسهيل حركة الأمعاء.
شرب كمية كافية من السوائل أساسي لصحة الجسد العامة، إذ يُساهم الماء في تنظيم درجة حرارة الجسم، أداء القلب، وعمليات التمثيل الغذائي. الطعام اللين والمائي أفضل للجسد. استهلاك السوائل الطبيعية – وليس الصناعية – مع الحفاظ على تنوعها يُعزز الإدراك الحسي والوظائف الذهنية. أظهرت الدراسات أن نقص السوائل يُضعف الأداء الإدراكي.
تحتوي السوائل على أملاح معدنية وفيتامينات متنوعة. وتنقسم إلى نوعين رئيسيين: المشروبات السائلة، والمواد الصلبة التي تتحول إلى عصائر سائلة بالعصر.
الماء النقي والمصفى
الماء الجاري، خاصة الذي يجري على الصخور والحصى أو ينحدر من المرتفعات، هو ماء خفيف يُحلل المواد ويُخففها بسرعة. شرب ثمانية أكواب يوميًا من الماء المصفى يُحسن الترطيب، يُساعد في إخراج السموم، يُعزز وظائف الكلى، ويُحسن مرونة البشرة ويُقلل جفافها. يُساهم الماء المصفى في تلبية احتياجات الترطيب، الحفاظ على توازن الإلكتروليتات، وتحسين أداء الأعضاء.
يمكن تقييم نقاء الماء باستخدام أجهزة اختبار جودة الماء أو من خلال حاسة التذوق. إذا كانت حاسة التذوق متطورة، يُمكن للسان أن يُميز الماء النقي من الملوث، مما يُتيح مراقبة جودة الماء وسلامته. لكن اللسان العادي لا يستطيع كشف التلوث الميكروبي، الكيميائي، أو الفلزات الثقيلة، إذ تكون هذه الملوثات غالبًا بلا طعم. تُقدم الأدوات العلمية الحديثة، مثل أجهزة اختبار الماء أو التحاليل المخبرية، تقييمًا دقيقًا لنقاء الماء.
تُعد حاسة التذوق واللسان أفضل مختبر طبيعي للجسد، إذ يمتلكان قدرة تمييز فائقة تفوق في شموليتها المختبرات الصناعية الحديثة في تحديد المواد عبر طعمها.
استهلاك الماء المصفى والسوائل عالية الجودة ضروري للحياة والصحة، ويُعتبر من أقوى المنظفات والمطهرات للجسد إذا تم شربها بكميات كافية. غالبية الأجساد تعاني من نقص الماء، لذا يجب تلبية حاجتها من أفضل أنواع الماء النقي، فهو أفضل غذاء للجسد. الماء النقي لا يعني الماء المغلي، إذ قد تُفقد بعض الأملاح المعدنية (مثل الكالسيوم والمغنيسيوم) أو الأكسجين المذاب بفعل الغليان، رغم أن الغليان يُزيل بعض الميكروبات ويجعل الماء أكثر أمانًا.
يجب أن يكون الماء نظيفًا ونقيًا، ويمكن الحصول عليه من أجهزة تنقية الماء التي تُزيل معظم الشوائب. تختلف جودة الماء باختلاف مصادره، كما تختلف أنفاس البشر. بعض المياه تمتلك نقاءً بصريًا يجذب الأنظار. الماء النقي يُمثل رمزًا للإيمان والطباع الإلهية، فهو صافٍ، جارٍ، حلو، غير ضار، لين، ومتوافق.
كثير من المياه تحتاج إلى تنقية وتحسين قبل الاستهلاك. الماء الملوث بالميكروبات أو الطفيليات خطير للغاية. بعض المياه تُسبب ضغطًا على الجسد، تُثقله، تُقلل من حالة العبادة والنقاء، وتُشبه في تأثيرها استهلاك المحرمات. الماء الجيد للشرب هو الطازج الذي يجري بحرية طبيعية، يتطهر بفعل حركته الاختيارية، بينما الماء المُجبر على مسار غير طبيعي يصبح مُجهدًا ومُسببًا للتوتر. استهلاك الماء الرديء يُعطل أعضاء الجسد، خاصة المعدة، الكلى، الأعصاب، والأوعية.
رزق الماء
الماء والهواء هما رزق الإنسان، والجرعة الأخيرة من الماء التي يشربها الإنسان اختياريًا، كالسم القاتل، والنفس الأخير الذي يُستنشق لتذوق الموت، هما رزق مُقدر. يصف القرآن الكريم الماء بأنه “طهور”، أي مطهر، كما في قوله تعالى:
(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) [الفرقان: 48-49].
وكذلك: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان: 21].
يقول الإمام الصادق (ع) في تفسير الآية: «يُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ إِذْ لَا طَاهِرَ مِنْ تَدَنُّسٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَكْوَانِ إِلَّا اللَّهُ»، أي إن الله يُطهرهم بهذا الشراب الطاهر من كل شيء سواه، فلا مطهر من دنس الكون إلا الله.
استهلاك الماء النقي والصحي (غير المغلي) يقي من العديد من الأمراض، يُطهر الجسد، ويمنح الباطن اتساعًا وانفتاحًا.
العلاج بالماء
ألذ مشروب للإنسان هو الماء البارد (وليس شديد البرودة)، إذ يُساعد في القضاء على الميكروبات، يُخفف الإرهاق، ويُعالج ضعف الجسد. اللعب بالماء البارد والنظر إليه يُحقق الراحة النفسية. التفاعل مع روح الماء، جريانه، وحركته، حتى في حوض صغير، يُشعر الإنسان بالنشاط، الحيوية، والسعادة. أظهرت الدراسات أن التعرض للماء، كالسباحة أو الاستحمام، له تأثيرات مهدئة على النفس، يُقلل التوتر، ويُحفز الجهاز العصبي اللاودي. كما أن تمضمضة الماء وتحريكه في الفم يُساعد في التخلص من الخوف وعلاج الوساوس.
من يعاني من ضغوط شديدة، إرهاق، اكتئاب، أو يأس، يُنصح بالاستحمام بماء فاتر مائل للبرودة أو ماء بارد إذا أمكن. هذا يُعيد للعقل قوته ويُساعده في إيجاد حلول للمشكلات. الاكتئاب له أسباب متعددة تتطلب تحديد جذوره لمعالجة المشاعر السلبية والحزن. بعد ذلك، يُمكن الاستفادة من التمارين الرياضية، السباحة، أو الاستحمام، وهو مفيد بشكل خاص للنساء اللواتي يعانين من حزن طويل الأمد.
لتحقيق المعرفة الذاتية واكتشاف النفس، يجب تفريغ العقل. من طرق تهدئته وسكونه صب ماء بارد على الرأس لتطهير الغرور، الكبر، والغازات السامة الناتجة عن المعدة، مما يمنح الفرد طاقة، نضارة، وحيوية. بعدها، يُمكن تناول كوب شاي، والجلوس في خلوة بهدوء، منتظرًا ما يكشفه الباطن، ما يجذبه، وما يسعى إليه لا شعوريًا.
الأشخاص العصبيون أو الخائفون يستفيدون من الغوص في الماء، تمضمضته، وإخراجه، مما يُهدئهم ويُخفف خوفهم. إلى جانب الاستحمام، تنظيف الأسنان بالفرشاة والخيط، تمشيط الشعر، استخدام العطر، وضع زهور طبيعية في المنزل، استخدام المرآة باستمرار، والصلاة على سجادة، كلها تُعزز قدرة العقل على إيجاد الحلول بسرعة.
أثناء المرض، يجب زيادة استهلاك الماء والسوائل، فهي طريقة علاجية بحد ذاتها، إذ تُحرك الرواسب وتُطهرها. شرب الماء البارد، أو الماء القوي على الريق، يُطهر المعدة من العدوى، الميكروبات، وحتى ديدان الأمعاء، ويُقويها. العلاج بالماء من أبسط الوسائل لتطهير الجسد، تقوية المعدة، ومكافحة السمنة. لكن يجب أن يكون الماء نقيًا، جيدًا، مصفى، وصافيًا.
شرب عدة أكواب ماء صباحًا على الريق، أو خلال اليوم (بمعدل طبيعي ستة أكواب)، يلبي احتياجات الجسد والباطن، يُقضي على ميكروبات المعدة، ويُخرج الفضلات والرواسب من المعدة والأمعاء. من يعاني من زيادة أو نقص الوزن أو العدوى يُمكنه تحسين حالته بالعلاج بالماء. الماء الساخن يُذيب الدهون، والاستحمام به أو السباحة في ينابيع الماء الحار مُنشط، لكنه قد يُضعف الأعصاب ويُضر بالعينين عند الإفراط.
شرب السوائل مع الطعام
رغم توصية بعض الأطباء بتجنب شرب الماء والسوائل أثناء وبعد الطعام، فإن شرب كمية معتدلة، كربع كوب من السوائل أو مشروب غامق مع الطعام، يُساعد على تليين الهضم، يدعم الذوق، ويمنع إرهاق المعدة أو النفور النفسي من الطعام الثقيل، مما يُقلل ضعف الأعصاب. شرب الماء قبل الطعام بنحو 30 دقيقة أو بعده يُحسن الهضم، يمنع الانتفاخ، ويُقلل مشكلات الجهاز الهضمي. تقييد السوائل أثناء الطعام يحافظ على تركيز إنزيمات الهضم ويُعزز الهضم.
إذا زاد استهلاك السوائل أثناء الطعام وامتلأت المعدة، يصعب الهضم، مما يُضر بالأعصاب والمعدة، يُرهقها، ويُفسد الطعام. الإفراط في السوائل أثناء الطعام يُخفف إنزيمات الهضم ويُبطئ الهضم.
الأنس بالماء
للاستفادة القصوى من الماء وامتصاصه بشكل أفضل، يجب التآلف معه، التقرب إليه، والتواصل معه بعمق وعاطفة، حتى يمنح الإنسان ليونة وصفاء، فيصبح كالبحر الواسع. الامتنان عند شرب الماء أو التأمل بجانبه يُقلل التوتر، يُعزز الصحة النفسية، ويُحسن الاستقرار العاطفي عبر تعزيز اليقظة الذهنية.
الشاي
الشاي من السوائل المفيدة للجسد وتخفيف العقل إذا استُهلك باعتدال، ويكون طبيعيًا، عالي الجودة، غير مصبوغ، وطازج التحضير. يحتوي الشاي الأسود على مضادات الأكسدة مثل البوليفينولات، التي تُعزز الصحة وتُقلل التوتر التأكسدي. لكن الإفراط في شربه قد يُسبب القلق أو مشكلات هضمية بسبب الكافيين.
كلما طالت مدة غليان ماء الشاي، كأنه يُجلد، فيصبح معقمًا، أخف، وأرقى، مما يجعله مناسبًا للأذواق الراقية. التعقيم يهدف إلى إزالة البكتيريا، الفطريات، الفيروسات، والميكروبات لمنع انتقال العدوى. شرب الشاي بمفرده مضر، ويحتاج إلى إضافات مثل ماء الورد، الزعفران، القرفة، أو الزنجبيل. من يعاني من خفقان القلب يُفضل تقليل الشاي أو شربه بعد الطعام.
الشاي الطبيعي غير المصبوغ يُمكن إعادة تحضيره مرتين أو ثلاثًا مع احتفاظه بلونه، وهو مفيد للجسد. أما الشاي المصبوغ فيُصبح سامًا بعد ساعة. الشاي الطبيعي يُمكن استهلاكه خلال 24 ساعة، بينما الزعفران المُحضر يبقى صالحًا لستة أشهر إذا حُفظ جيدًا. استهلاك السكر والحلويات لا يتناسب مع السلوك الروحي.
تنوع السوائل
لا ينبغي الاقتصار على الماء والشاي، بل يجب تنويع السوائل مثل الحساء، الشراب، السكنجبين، عصير الليمون، وعصائر الفواكه، التي تُحيي الجسد وتُنشط الجهاز الهضمي. عصائر الفواكه الطبيعية تُزود الجسم بالفيتامينات، المعادن، ومضادات الأكسدة، وتُقوي جهاز المناعة.
مشروبات مثل عصير الليمون، العسل، والزنجبيل لها خصائص مضادة للشيخوخة، تُعزز المناعة، وتُحسن صحة البشرة. مزيج الليمون والعسل يُقلل التوتر التأكسدي ويُحسن البشرة بفضل خصائصه المضادة للأكسدة. الزنجبيل يمتلك تأثيرات مضادة للالتهاب ومُعدلة للمناعة.
المقصود بالعصائر هي العصائر الطازجة العضوية الخالية من المواد الحافظة. بعض المواد الحافظة تُفسد الروحانية الغذائية، تجعل الطعام راكدًا وميتًا، وقد تُسبب أمراضًا مثل السرطان واضطرابات الهرمونات. استهلاك الأطعمة المحتوية على مواد حافظة باستمرار قد يُسبب مشكلات هضمية، حساسية، وتأثيرات سلبية على المزاج. لذا، يُفضل استهلاك الأطعمة الطازجة العضوية واستخدام طرق حفظ مثل التعليب، التجميد، والتجفيف لتعزيز الصحة ونوعية الحياة.
ماء الحبوب
ماء الحبوب مثل الحمص، العدس، الفاصوليا، والباقلاء ذو قيمة غذائية عالية. الحبوب ومشتقاتها (مثل ماء النقع) تُزود الجسم بالألياف والمغذيات القابلة للذوبان مثل الفيتامينات، وتُحسن الهضم وتُعزز الطاقة. ماء الحبوب، العصائر، والثوم مع التمارين الرياضية تُخفف تشنج العضلات، العظام، والغضاريف المُصدرة للصوت، وتُعيد لها الحيوية. استهلاك الحبوب ومائها، كاللحوم، يتطلب معدة قوية. العدس من الحبوب الخفيفة التي لا تُسبب الانتفاخ، ويُقلل الطاقة الجنسية.
معجون العصائر
من أسباب تقدم عمر البشرة ومشكلات الأوعية الدموية هو عدم استهلاك عصائر طبيعية خالية من المواد الحافظة والسكر، أو مزيج العصائر والشرابات. كلما زاد تنوع الأطعمة والمشروبات في معجون، زادت طاقته وقوته، وحافظت المعدة على سلامتها. معجون العصائر كيمياء لإحياء الجسد.
مزيج عصير التفاح، الجزر، والزنجبيل يُزود الجسم بالبيتاكاروتين ومضادات الأكسدة، مما يُقوي المناعة، يُحسن البشرة، ويُعزز الطاقة. مزيج عصير التفاح، الجزر، والبرتقال مع قليل من الزعفران، إذا تُرك لساعة، يُقلل مدة النوم. لكن لمن يمتلك طاقة عالية، قد يُحقق حلمًا في 30 ثانية يُعادل ساعتين، إذ تتجاوز سرعة الأحلام سرعة الضوء. بسبب ثقل التفاح وهشاشة البرتقال، يُفضل أن يكون نصيبهما أقل من الجزر، مع تقليل التفاح وخلط المزيج جيدًا.
يُمكن استخدام مخلفات الجزر (بعد عصرها) بدلاً من البطاطس في تحضير العشاء، فالجزر حلو ومائي، ويُضفي نكهة لذيذة.
معجون الشباب
مزيج الجوز أو زيته مع التمر، العنب، الزبيب، وقليل من الزعفران يُنتج معجونًا مُنشطًا ومُبهجًا يُسمى معجون الشباب. الجوز غني بأوميغا-3، التمر مليء بالسكريات الطبيعية والمعادن، والزعفران يمتلك خصائص مضادة للأكسدة والاكتئاب. هذا المزيج مُنشط ومُحيي. يُشبه تركيبة الشراب الطهور الطبيعي من العنب، التمر، الجوز، والفستق غير المخمر، ويمنح نشوة حلالاً، صفاءً، وعشقًا دون أي مخدرات، بتأثير يفوق المواد المخدرة دون إثارة الهلاوس.
من لا يستهلك الجوز، العنب، والتمر يُصاب بالشيخوخة المبكرة. التمر يُولد المحبة، ولذا يُفضل بدء الإفطار به ليجعل الإنسان حلوًا، لينًا، ومحبًا. مظهر التمر الحالم يُعبر عن المحبة.
الثمار الأولية
استهلاك الثمار الأولية (النوبرانة) واستنشاق روائحها مفيد جدًا لتجديد الجسد. يجب عدم تفويت هذه الفرصة حتى لو بكميات قليلة. تُحسن الثمار الأولية الاضطرابات النفسية، الوساوس، تُطيل العمر، وتُنظم الشهية. تُزود الثمار الموسمية بمضادات الأكسدة والمغذيات الخاصة، وتُساعد العصائر والمشروبات الموسمية في تكيف الجسد مع احتياجات البيئة.